روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} (9)

{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ الذين مِن قَبْلِكُمْ } ليتدبروا ما أصاب كل واحد من حزبي المؤمن والكافر فيتم له عليه السلام مقصوده منهم . وجوز أن يكون من تتمة قوله عليه السلام : { إِن تَكْفُرُواْ } [ إبراهيم : 8 ] الخ على أنه كالبيان لما أشير إليه في الجواب من عود ضرر الكفران على الكافر دونه عز وجل ، وقيل : هو من كلامه تعالى جىء تتمة لقوله سبحانه : { لَئِن شَكَرْتُمْ } [ إبراهيم : 7 ] الخ وبياناً لشدة عذابه ونقل كلام موسى عليه السلام معترض في البين وهو كما ترى ، وقيل : هو ابتداء كلام منه تعالى مخاطباً به أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما ذكر إرساله عليه الصلاة والسلام بالقرآن وقص عليهم من قصص موسى عليه الصلاة والسلام مع أمته ولعل تخصيص تذكيرهم بما أصاب أولئك المعدودين مع قرب غيرهم إليهم للإشارة إلى أن إهلاكه تعالى الظالمين ونصره المؤمنين عادة قديمة له سبحانه وتعالى ، ومن الناس من استبعد ذلك .

{ قَوْمُ نُوحٍ } بدل من الموصول أو عطف بيان { وَعَادٌ } معطوف على قوم نوح { وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ } أي من بعد هؤلاء المذكورين عطف على قوم نوح وما عطف عليه ، وقوله تعالى : { لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } اعتراض أو الموصول مبتدأ وهذه الجملة خبره وجملة المبتدأ وخبره اعتراض ، والمعنى على الوجهين أنهم( {[481]} ) من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله تعالى ، ومعنى الاعتراض على الأول ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة فتعتبروا بها إن في ذلك لمعتبراً ، وعلى الثاني هو ترق ومعناه ألم يأتكم نبأ هؤلاء ومن لا يحصى عددهم كأنه يقال : دع التفصيل فإنه لا مطمع في الحصر ، وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال والتفصيل ولذا جعله الزمخشري أول الوجهين ، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : بين عدنان وإسماعيل عليه السلام ثلاثون أباً لا يعرفون ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه إذا قرأ هذه الآية قال : كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله تعالى علمها عن العباد أظهر فيه على ما قيل .

ومن هنا يعلم أن ترجيح الطيبي الوجه الأول بما رجحه به ليس في محله : واعترض أبو حيان القول بالاعتراض بأنه لا يكون إلا بين جزئين يطلب أحدهما الآخر وما ذكر ليس كذلك ، ومنع بأن بين المعترض بينهما ارتباطاً يطلب به أحدهما الآخر لأنه يجوز أن تكون الجملة الآتية حالاً بتقدير قد والاعتراض يقع بين الحال وصاحبها ، فليس ما ذكر مخالفاً لكلام النحاة ، ولو سلم أنها ليست بحالية فما ذكروه هنا على مصطلح أهل المعاني وهم لا يشترطون الشرط المذكور ، حتى جوزوا أن يكون الاعتراض في آخر الكلام كما صرح به ابن هشام في «المغني » ، مع أن الجملة الآتية مفسرة لما في الجملة الأولى فهي مرتبطة بها معنى ، واشتراط الارتباط الإعرابي عند النحاة غير مسلم أيضاً فتأمل .

وجعل أبو البقاء جملة { لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } على تقدير عطف الموصول على ما قبل حالاً من الضمير في { مّن بَعْدِهِمْ } . وجوز الاستئناف ، ولعله أراد بذلك الضمير المستقر في الجار والمجرور لا الضمير المجرور بالإضافة لفقد شرط مجىء الحال منه ، وجوز على تقدير كون الموصول مبتدأ كون تلك الجملة خبراً وكونها حالاً والخبر قوله تعالى : { جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } والكثير على أنه استئناف لبيان نبئهم { بالبينات } بالمعجزات الظاهرة ، فبين كل رسول منهم لأمته طريق الحق وهداهم إليه ليخرجهم من الظلمات إلى النور { فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } أي أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به { وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أي على زعمكم ، وهي البينات التي أظهروها حجة على صحة رسالتهم .

/ ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم أو الكتب والشرائع ، وحاصله أنهم أشاروا إلى جوابهم هذا كأنهم قالوا : هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق ، وهذا كما يقع في كلام الخاطبين أنهم بشيرون إلى أن هذا هو الجواب ثم يقررونه أو يقرونه قم يشيرون بأيديهم إلى أن هذا هو الجواب ، فضمير { أَيْدِيهِمْ } إلى الكفار ، والأيدي على حقيقتها ، والرد مجاز عن الإشارة وهي تحتمل المقارنة والتقدم والتأخر ، وقال أبو صالح : المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك للرسل عليهم السلام أن يكفوا ويسكتوا عن كلامهم كأنهم قالوا : اسكتوا فلا ينفعكم الإكثار ونحن مصرون على الكفلا لا نقلع عنه :

فكم أنا لا أصغي وأنت تطيل . . . فالضميران للكفار أيضاً وسائر ما في النظم على حقيقته .

وأخرج ابن المنذر . والطبراني . والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن المراد أنهم عضوا أيديهم غيظاً من شدة نفرتهم من رؤية الرسل وسماع كلامهم ، فالضميران أيضاً كما تقدم ، واليد والفم على حقيقتهما ، والرد كناية عن العض ، ولا ينافي الحقيقة كون المعضوض الأنامل كما في قوله تعالى : { خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ } [ آل عمران : 119 ] فإن من عض موضعاً من اليد يقال حقيقة إنه عض اليد ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم تعجباً مما جاء به الرسل عليهم السلام ، وهذا كما يضع من غلبه الضحك يده على فيه ، فالضميران وسائر ما في النظم كما في القول الثاني ، وجوز أن يرجع الضمير في { أَيْدِيهِمْ } إلى الكفار وفي { أَفْوَاهِهِمْ } إلى الرسل عليهم السلام ، وفيه احتمالان . الأول أنهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل عليهم السلام أن اسكتوا ، والآخر أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل عليهم السلام منعاً لهم من الكلام .

وروي هذا عن الحسن ، والكلام يحتمل أن يكون حقيقة ويحتمل أن يكون استعارة تمثيلية بأن يراد برد أيدي القوم إلى أفواه الرسل عليهم السلام عدم قبول كلامهم واستماعه مشبها بوضع اليد على فم المتكلم لاسكاته .

وظاهر ما في البحر يقتضي أنه حقيقة حيث قال : إن ذلك أبلغ في الرد واذهب في الاستطاله على الرسل عليهم السلام والنيل منهم ، وان يكون الضمير في { أَيْدِيهِمْ } للكفار وضمير { أَفْوَاهِهِمْ } للرسل عليهم السلام .

والأيدي جمع يد بمعنى النعمة أي ردوا نعم الرسل عليهم السلام التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحى إليهم من الشرائع والأحكام في أفواههم ، ويكون ذلك مثلاً لردها وتكذيبها بأن بأن يشبه رد الكفار ذلك برد الكلام الخارج من الفم فقيل : ردوا أيديهم أي مواعظهم في أفواههم والمراد عدم قبولها ، وقيل : المراد بالأيدي النعم والضمير الأول للرسل عليهم السلام أيضاً لكن الضمير الثاني للكفار على معنى كذبوا ما جاؤوا به بأفواههم أي تكذيباً لا مستند له ، { وَفِى } بمعنى الباء ، وقد أثبت الفراء مجيئها بمعناها وأنشد :

وأرغب فيها( {[482]} ) عن لقيط ورهطه . . . ولكنني عن سنبس لست أرغب

وضعف حمل الأيدي على النعم بأن مجيئها بمعنى ذلك قليل في الاستعمال حتى أنكره بعض أهل اللغة وإن كان الصحيح خلافه ، والمعروف في ذلك الأيادي كما في قوله :

سأشكر عمرا إن تراخت منيتي . . . أيادي لم تمنن وان هي جلت

وبأن الرد والأفواه يناسب إرادة الجارحة ، وقال أبو عبيدة الضميران للكفار والكلام ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا ، والعرب تقول للجرل إذا سكت عن الجواب وأمسك رديده في فيه ، ومثله عن الأخفش .

وتعقبه القتبى بأنا لم نسمع أحداً من العرب يقول رد فلان يده في فيه إذا سكت وترك ما أمر به ، وفيه أنهما سمعا ذلك ومن سمع حجة على من لم يسمع ، قال أبو حيان : وعلى ما ذكراه يكون ذلك من مجاز التمثيل كأن الممسك عن اجلواب الساكت عنه وضع يده على فيه . ورده الطبري بأنهم قد أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا : { إِنَّا كَفَرْنَا } إلى آخره . وأجيب بأنه يحتمل أن يكون مراد القائل أنهم أمسكوا وسكتوا عن الجواب المرضى الذي يقتضيه مجيء الرسل عليهم السلام إليهم بالبينات وهو الاعتراف والتصديق ، وقال ابن عطية : الضميران للكفار ويحتمل أن يتجوز في الأيدي ويراد منها ما يشمل أنوا المدافعة ، والمعنى ردوا جميع مدافعتهم في أفواههم أي إلى ما قالوا بأفواههم من التكذيب ، وحاصله أنهم لم يجدوا ما يدفعون به كلام الرسل عليهم السلام سوى التكذيب المحض ، وعبر عن جميع المدافعة بالأيدي إذ هي موضع أشد المدافعة والمرادّة .

وقيل : المراد أنهم جعلوا أيديهم في محل ألسنتهم على معنى أنهم آذوا الرسل عليهم السلام بألسنتهم نحو الإيذاء بالأيدي ، والذي يطابق المقام وتشهد له بلاغة التنزيل هو الوجه الأول ، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى لأنهم لما حاولوا الإنكار على الرسل عليهم السلام كل الإنكار جمعوا في الإنكار بين الفعل والقول ، ولذا أتى بالفاء تنبيهاً على أنهم لم يمهلوا بل عقبول دعوتهم بالتكذيب وصدروا الجملة بإن ، ويلي ذلك على ما في الكشف الوجه الثاني ولا يخفى ما في أكثر الوجوه الباقية فتأمل { وَإِنَّا لَفِى شَكّ } عظيم { مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } من الإيمان والتوحيد ، وبهذا وتفسير { مَا * أُرْسِلْتُمْ بِهِ } بما ذكر أولاً يندفع ما يتوهم من المنافاة بين جزمهم بالكفر وشكهم هذا ، وقيل في دفع ذلك على تقدير كون متعلقي الكفر والشك واحداً : إن الواو بمعنى أو أي أحد الأمرين لازم وهو أنا كفرنا جزماً بما أرسلتم به فإن لم نجزم فلا أقل من أن نكون شاكين فيه ؛ وأياً ما كان فلا سبيل إلى الإقرار والتصديق ، وقيل : إن الكفر عدم الإيمان عمن هو من شأنه فكفرنا بمعنى لم نصدق وبذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذلك لا ينافي الشك . وفي البحر أنهم بادروا أولاً إلى الكفر وهو التكذيب المحض ثم أخبروا أنهم في شك وهو التردد كأنهم نظروا بعض نظر اقتضى أن انتقلوا من التكذيب المحض إلى التردد أو هما قولان من طائفتين طائفة بادرت بالتكذيب والكفر وأخرى شكت ، والشك في مثل ما جاءت به الرسل عليهم السلام كفر ، وهذا أولى من قرينه ، وقرأ طلحة { مّمَّا تَدْعُونَا } بادغام نون الرفع في نون الضمير كما تدغم في نون الوقاية في نحو { أتحاجوني } [ الأنعام : 80 ] { مُرِيبٍ } أي موقع في الريبة من أرابني بمعنى أوقعني في ريبة أو ذي ريبة من أراب صار ذا ريبة ، وهي قلق النفس وعدم اطمئنانها بالشيء ، وهو صفة توكيدية .


[481]:- إلا أن مرجع الضمير في أنهم مختلف اهـ منه.
[482]:- يعني بنتا له ولقيط اسم رجل ورهطه قبيلته وسنبس قبيلة أيضا اهـ منه.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} (9)

ثم حكى - سبحانه - جانبا من أحوال بعض الرسل مع أقوامهم ، ومن المحاورات التى دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم فقال - تعالى - :

{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ . . . }

قوله - سبحانه - : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ . . . } يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام موسى - عليه السلام - فيكون المعنى : أن موسى - عليه السلام - بعد أن ذكر بأيام الله - تعالى - ، وبنعمه عليهم ، وبسننه - سبحانه - فى خلقه . . .

بعد كل ذلك شرع فى تذكيرهم وتخويفهم عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم ، فقال لهم - كما حكى القرآن عنه - : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ . . }

ومنهم من يرى أن الآية الكريمة كلام مستأنف ، والخطاب فيه لأمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيكون المعنى : أن الله - تعالى - بعد أن ين للناس أنه قد أنزل كتابه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور ، وبين - سبحانه - أن له ما فى السموات وما فى الأرض وهدد الكافرين بالعذاب الشديد ، وحكى ما قاله موسى لقومه .

بعد كل ذلك وجه - سبحانه - الخطاب إلى مشركى مكة وإلى كل من كان على شاكلتهم فقال : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ . . . } .

قال الفخر الرازى ما ملخصه : " يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه ، والمقصود منه أنه - عليه السلام - كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم .

ويجوز أن يكون مخاطبة من الله - تعالى - على لسان موسى لقومه ، يذكرهم أمر القرون الأولى . والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين ، وهذا المقصود حاصل على التقديرين ، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

ومع أننا نؤيد الإِمام الرازى فى أن المقصود إنما حصول العبرة بأحوال المتقدمين إلا أننا نميل مع الأكثرين إلى الرأى الثانى ، لأن قوم رسول - صلى الله عليه وسلم - هم المقصودون قصدا أوليا بالخطاب القرآنى ، ولأن الإِمام ابن كثير - يرى أنه لم يرد ذكر فى التوراة لقوم عاد وثمود ، فقد قال :

قال ابن جرير : " هذا من تمام قول موسى لقومه . . . وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف من الله - تعالى - لهذه الأمة ، فإنه قد قيل إن قصة عاد وثمود ليست فى التوراة ، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم ، فلا شك حينئذ أن تكون هاتان القصتان فى التوراة .

والاستفهام فى قوله { أَلَمْ يَأْتِكُمْ . . . } للتقرير لأنهم قد بلغتهم أخبارهم ، فقوم نوح بلغتهم أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذى كان مشهورا بينهم ، وقوم عاد وثمود بلغتهم أخبارهم لأنهم من العرب ، ومساكنهم فى بلادهم ، وهم يمرون على ديار قوم صالح فى أسفارهم إلى بلاد الشام للتجارة .

والمراد بالذين من بعدهم : أولئك الأقوام الذين جاءوا من بعد قوم نوح وعاد وثمود ، كقوم إبراهيم وقوم لوط وغيرهم .

وقوله : { لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } أى : لا يعلم عدد الأقوام الذين جاءوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا الله تعالى .

وقوله { والذين مِن بَعْدِهِمْ } مبتدأ ، وقوله { لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } خبره ، والجملة اعتراض بن المفسر - بفتح السين - وهو { نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ } وتفسيره وهو { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات } .

والمعنى : لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوحو عاد وثمود ، كما علمتم ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب ، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم وعددهم إلا الله - تعالى - وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا هذا الرسول الكريم الذى جاء لسعادتكم ، لكى تنجوا من العذاب الأليم الذى حل بالمظالمين من قبلكم .

وجملة { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات } مستأنفة فى جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم ؟

فكان الجواب : جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات ، وبالمعجزات الظاهرات ، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه .

وقوله { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ . . . } .

بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم .

والضمائر فى " ردوا " و " أيديهم " و " أفواههم " تعود على الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات ، وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون فى معناها وجوها متعددة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال :

منها : أن الكفار وضعوا أنامهم فى أفواههم فعضوها غيضا وبغضا مما جاء به الرسل ، وقالوا لهم بغضب وضجر : إنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به من معجزات ، فاغربوا عن وجوهنا ، واتركونا وشأننا .

ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه الإِمام ابن جرير ، فقد قال : " وقوله : { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ . . . } اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك ، فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم فى دعائهم إياهم إلى ما دعوهم إليه . . روى ذلك عن ابن مسعود وغيره .

ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى : وأشبه هذه الأقوال عندى الصواب فى تأويل هذه الآية ، القول الذى ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم فى أفواههم ، فعضوا عليها غيظا على الرسل ، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين فقال : { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ } فهذا هو الكلام المعروف ، والمعنى المفهوم من رد الأيدى إلى الأفواه .

ومنها : أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ما يصدر عنها ، وقالوا للرسل على سبيل التحدى والتكذيب . { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أى : لا جواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بألسنتنا هذه .

ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإِمام الآلوسى ، فقد صدر الأقوال التى ذكرها به ، فقال ما ملخصه : قوله { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } أى : أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به ، وقالوا لهم { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أى : على زعمكم ، وهى البينات التى أظهرها حجة على صحة رسالتهم ، ومرادهم بالكفر بها : الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم . . .

ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال : والذى يطابق المقام ، وتشهد له البلاغة : هو الوجه الأول ، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى ، لأنهم حالوا الإِنكار على الرسل كل الإِنكار ، حيث جمعوا على الإِنكارين : الفعل والقول ، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا ، بل عقدوا دعوتهم بالتكذيب . . . " .

ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا .

وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال : " وهذا التركيب لا أعهد مثله فى كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن : ومعنى { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } .

يحتمل عد وجو أنها فى الكشاف إلى سبعة ، وفى بعضها بعد ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل ، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم ، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل .

ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، لم يردوا عليهم ، بل تركوهم إهمالا لشأنهم .

وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ما ملخصه : " وقال أبو عبيدة - ونعم ما قال - هو ضرب مثل . أى : لم يؤمنوا ولم يجيبوا . والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت : قد رد يده فى فيه . وهذكا قال الأخفش ، واعترض على ذلك القتيبى فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول : رد يده فى فيه ، إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنفا وغيظا . .

فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب . . .

وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق فى أن الآية الكريمة ، قد أخبرت بأبلغ عبارة عما قابل به الأقوام المكذبين رسلهم من سوء أدب .

إلا أننا نميل إلى ما ذهب إليه الإِمام ابن جرير ، لأنه أظهر الأقوال فى معناها ، وقد استشهد له بعضهم بأشعار العرب ، ومنها قول الشاعر :

ترون فى فيه غش الحسو . . . د حتى يعض على الأكفا

وقوله - سبحانه - { وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } معطوف على قوله { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } .

ومريب : اسم فاعل من أراب . تقول : أربت فلانا فأنا أريبه ، إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة ، فمعنى مريب : موقع فى الريبة أى : فى القلق والاضطراب .

أى : قال المكذبون لرسلهم إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والبينات .

وإنا لفى شك كبير موقع فى الريبة مما تدعوننا إليه من الإِيمان بوحدانية الله ، وبإخلاص العبادة له .

.

قال الجمل ما ملخصه : " فإن قيل : إنهم أكدوا كفرهم بما أرسل به الرسل .

ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون فى صحة قولهم فكيف ذلك .

فالجواب : كأنهم قالوا أنا كفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل فإنه لم نكن كذلك ، فال أقل من أن نكون شاكين مرتابين فى صحة نبوتكم .

أو يقال : المراد بقولهم { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أى بالمعجزات والبينات ، وبقولهم : { وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } وهو الإِيمان والتوحيد .

أو يقال : إنهم كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر ، والأخرى شكت . . .