التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (2)

استئناف يفيد تعليل الإبانة من جهتي لفظه ومعناه ، فإنّ كونه قرآناً يدل على إبانة المعاني ، لأنّه ما جعل مقروءاً إلاّ لما في تراكيبه من المعاني المفيدة للقارىء .

وكونه عربياً يفيد إبانة ألفاظه المعانيَ المقصودة للّذين خوطبوا به ابتداء ، وهم العرب ، إذ لم يكونوا يتبيّنون شيئاً من الأمم التي حولهم لأنّ كتبهم كانت باللغات غير العربية .

والتّأكيد ب ( إنّ ) متوجّه إلى خبرها وهو فعل { أنزلناه } ردّاً على الذين أنكروا أن يكون منزلاً من عند الله .

وضمير { أنزلناه } عائد إلى { الكتاب } في قوله : { الكتاب المبين [ سورة يوسف : 1 ] .

وقرآناً } حال من الهاء في { أنزلناه } ، أي كتاباً يقرأ ، أي منظماً على أسلوب معدّ لأنْ يقْرأ لا كأسلوب الرسائل والخطب أو الأشعار ، بل هو أسلوب كتاب نافع نفعاً مستمراً يقرأه الناس .

و { عربيّاً } صفة ل { قرآناً } . فهو كتاب بالعربيّة ليس كالكتب السّالفة فإنّه لم يسبقه كتاب بلغة العرب .

وقد أفصح عن التعليل المقصود جملة { لعلّكم تعقلون } ، أي رجاء حصول العلم لكم من لفظه ومعناه ، لأنّكم عرب فنزوله بلغتكم مشتملاً على ما فيه نفعكم هو سبب لعقلكم ما يحتوي عليه ، وعُبّرَ عن العلم بالعقل للإشارة إلى أنّ دلالة القرآن على هذا العلم قد بلغت في الوضوح حدّ أن ينزّل من لم يَحصل له العلم منها منزلة من لا عقل له ، وأنّهم ما داموا معرضين عنه فهم في عداد غير العقلاء .

وحذف مفعول { تعقلون } للإشارة إلى أنّ إنزاله كذلك هو سبب لحصول تعقل لأشياء كثيرة من العلوم من إعجاز وغيره .

وتقدّم وَجه وقوع ( لعلّ ) في كلام الله تعالى ، ومحمل الرجاء المفاد بها على ما يؤول إلى التعليل عند قوله تعالى : { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلّكم تشكرون } في سورة البقرة ( 52 ) ، وفي آيات كثيرة بعدها بما لا التباس بعده .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (2)

قوله تعالى : " إنا أنزلناه قرآنا عربيا " يجوز أن يكون المعنى : إنا أنزلنا القرآن عربيا ، نصب " قرآنا " على الحال ، أي مجموعا . و " عربيا " نعت لقوله " قرآنا " . ويجوز أن يكون توطئة للحال ، كما تقول : مررت بزيد رجلا صالحا ، و " عربيا " على الحال ، أي يقرأ بلغتكم يا معشر العرب . أعرب بين ، ومنه ( الثيب تعرب عن نفسها ) . " لعلكم تعقلون " أي لكي تعلموا معانيه ، وتفهموا ما فيه . وبعض العرب يأتي بأن مع " لعل " تشبيها بعسى . واللام في " لعل " زائدة للتوكيد ، كما قال الشاعر{[8928]} :

يا أبتَا علَّكَ أو عَسَاكَا

وقيل : " لعلكم تعقلون " أي لتكونوا على رجاء من تدبره ، فيعود معنى الشك إليهم لا إلى الكتاب ، ولا إلى الله عز وجل . وقيل : معنى " أنزلناه " أي أنزلنا خبر يوسف ، قال النحاس : وهذا أشبه بالمعنى ؛ لأنه يروى أن اليهود قالوا : سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن خبر يوسف ، فأنزل الله عز وجل هذا بمكة موافقا لما في التوراة ، وفيه زيادة ليست عندهم . فكان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم - إذ أخبرهم ، ولم يكن يقرأ كتابا [ قط ]{[8929]} ولا هو في موضع كتاب - بمنزلة إحياء عيسى عليه السلام الميت على ما يأتي فيه .


[8928]:الرجز للعجاج، وصدر البيت. تقول بنتي قد أنى أناكا
[8929]:من ع.