التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} (1)

مقدمة السورة:

الاسم الوحيد لهذه السورة اسم سورة يوسف ، فقد ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في ترجمة رافع بن مالك الزرقي عن ابن إسحاق أن أبا رافع بن مالك أول من قدم المدينة بسورة يوسف ، يعني بعد أن بايع النبي صلى الله عليه وسلم يوم العقبة .

ووجه تسميتها ظاهر لأنها قصت قصة يوسف عليه السلام كلها ، ولم تذكر قصته في غيرها . ولم يذكر اسمه في غيرها إلا في سورة الأنعام وغافر .

وفي هذا الاسم تميز لها من بين السور المفتتحة بحروف ألر ، كما ذكرناه في سورة يونس .

وهي مكية على القول الذي لا ينبغي الالتفات إلى غيره . وقد قيل : إن الآيات الثلاث من أولها مدنية . قال في الإتقان : وهو واه لا يلتفت إليه .

نزلت بعد سورة هود ، وقبل سورة الحجر .

وهي السورة الثالثة والخمسون في ترتيب نزول السور على قول الجمهور .

ولم تذكر قصة نبي في القرآن بمثل ما ذكرت قصة يوسف عليه السلام هذه السورة من الإطناب .

وعدد آيها مائة وإحدى عشرة آية باتفاق أصحاب العدد في الأمصار .

من مقاصد هذه السورة

روى الواحدي والطبري يزيد أحدهما على الآخر عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : أنزل القرآن فتلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه زمانا ، فقالوا أي المسلمون بمكة : يا رسول الله لو قصصت علينا ، فأنزل الله { ألر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } الآيات الثلاث .

فأهم أغراضها : بيان قصة يوسف عليه السلام مع إخوته ، وما لقيه في حياته ، وما في ذلك من العبر من نواح مختلفة .

وفيها إثبات أن بعض المرائي قد يكون إنباء بأمر مغيب ، وذلك من أصول النبوءات وهو من أصول الحكمة المشرقية كما سيأتي عند قوله تعالى { إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا } الآيات .

وأن تعبير الرؤيا علم يهبه الله لمن يشاء من صالحي عباده .

وتحاسد القرابة بينهم .

ولطف الله بمن يصطفيه من عباده .

والعبرة بحسن العواقب ، والوفاء ، والأمانة ، والصدق ، والتوبة .

وسكنى إسرائيل وبنيه بأرض مصر .

وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم بما لقيه يعقوب ويوسف عليهما السلام من آلهم من الأذى . وقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم من آله أشد ما لقيه من بعداء كفار قومه ، مثل عمه أبي لهب ، والنضر بن الحارث ، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وإن كان هذا قد أسلم بعد وحسن إسلامه ، فإن وقع أذى الأقارب في النفوس أشد من وقع أذى البعداء ، كما قال طرفة :

وظلم ذوي القربى أشد مضـاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند

قال تعالى { لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين } .

وفيها العبرة بصبر الأنبياء مثل يعقوب ويوسف عليهم السلام على البلوى . وكيف تكون لهم العاقبة .

وفيها العبرة بهجرة قوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى البلد الذي حل به كما فعل يعقوب عليه السلام وآله ، وذلك إيماء إلى أن قريشا ينتقلون إلى المدينة مهاجرين تبعا لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم .

وفيها من عبر تاريخ الأمم والحضارة القديمة وقوانينها ونظام حكوماتها وعقوباتها وتجارتها . واسترقاق الصبي اللقيط . واسترقاق السارق ، وأحوال المساجين . ومراقبة المكاييل .

وإن في هذه السورة أسلوبا خاصا من أساليب إعجاز القرآن وهو الإعجاز في أسلوب القصص الذي كان خاصة أهل مكة يعجبون مما يتلقونه منه من بين أقاصيص العجم والروم ، فقد كان النضر بن الحارث وغيره يفتنون قريشا بأن ما يقوله القرآن في شأن الأمم هو أساطير الأولين اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم .

وكان النضر يتردد على الحيرة فتعلم أحاديث رستم و اسفنديار من أبطال فارس ، فكان يحدث قريشا بذلك ويقول لهم : أنا والله أحسن حديثا من محمد فهلم أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم بأخبار الفرس ، فكان ما بعضها من التطويل على عادة أهل الأخبار من الفرس يموه به عليهم بأنه أشبع للسامع ، فجاءت هذه السورة على أسلوب استيعاب القصة تحديا لهم بالمعارضة .

على أنها مع ذلك قد طوت كثيرا من القصة من كل ما ليس له كبير أثر في العبرة . ولذلك ترى في خلال السورة { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } مرتين { كذلك كدنا ليوسف } فتلك عبر من أجزاء القصة .

وما تخلل ذلك من الحكمة في أقوال الصالحين كقوله { عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون } ، وقوله { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } .

{ الر } .

تقدم الكلام على نظاير { الر } ونحوها في أوّل سورة البقرة .

{ تلك ءايات الكتاب المبين }

الكلام على { تلك آيات الكتاب } مضى في سورة يونس . ووُصف الكتاب هنا ب { المبين } ووصف به في طالعة سورة يونس ب { الحكيم } لأنّ ذكر وصف إبانته هنا أنسب ، إذ كانت القصّة التي تضمّنتها هذه السّورة مفصّلة مبيّنة لأهمّ مَا جرى في مدة يوسف عليه السّلام بمصر . فقصّة يوسف عليه السّلام لم تكن معروفة للعرب قبل نزول القرآن إجمالاً ولا تفصيلاً ، بخلاف قصص الأنبياء : هود ، وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب عليهم السّلام أجمعين ، إذ كانت معروفة لديهم إجمالاً ، فلذلك كان القرآن مبيّناً إيّاها ومفصّلاً .

ونزولها قبل اختلاط النبي صلى الله عليه وسلم باليهود في المدينة معجزة عظيمة من إعلام الله تعالى إيّاه بعلوم الأوّلين ، وبذلك ساوى الصحابةُ علماءَ بني إسرائيل في علم تاريخ الأديان والأنبياء وذلك من أهم ما يعلمه المشرعون .

فالمبين : اسم فاعل من أبان المتعدي . والمراد : الإبانة التامّة باللفظ والمعنى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة يوسف عليه السلام وهي مكية كلها . وقال ابن عباس وقتادة : إلا أربع آيات منها . وروي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فنزلت السورة ، وسيأتي . وقال سعد بن أبي وقاص : أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا : لو قصصت علينا ، فنزل : " نحن نقص عليك " [ يوسف : 3 ] فتلاه عليهم زمانا فقالوا : لو حدثتنا ، فأنزل : " الله نزل أحسن الحديث{[1]} " [ الزمر : 23 ] . قال العلماء : وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة ، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة ، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها ، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر ، ولا على معارضة غير المتكرر ، والإعجاز لمن تأمل .

قوله تعالى : " الر " تقدم القول{[8926]} فيه ، والتقدير هنا : تلك آيات الكتاب ، على الابتداء والخبر . وقيل : " الر " اسم السورة ، أي هذه السورة المسماة " الر " " تلك آيات الكتاب المبين " يعني بالكتاب المبين{[8927]} القرآن المبين ، أي المبين حلاله وحرامه ، وحدوده وأحكامه وهداه وبركته . وقيل : أي هذه تلك الآيات التي كنتم توعدون بها في التوراة .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[8926]:راجع ج 1 ص 154 فما بعد.
[8927]:من ع.