التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (30)

النسوة : اسم جمع امرأة لا مفرد له ، وهو اسم جمع قِلة مثله نساء . وتقدم في قوله تعالى : { ونساءَنا ونساءَكم } في سورة آل عمران ( 61 ) .

وقوله : { في المدينة } صفة لنسوة . والمقصود من ذكر هذه الصفة أنهن كنّ متفرقات في ديار من المدينة . وهذه المدينة هي قاعدة مصر السفلى وهي مدينة ( مَنْفِيسْ ) حيث كان قصر العزيز ، فنقل الخبر في بيوت المتصلين ببيت العزيز . وقيل : إن امرأة العزيز باحت بالسر لبعض خلائلها فأفشينه كأنّها أرادت التشاور معهن ، أو أرادت الارتياح بالحديث إليهن ( ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره ) . وهذا الذي يقتضيه قوله : { وأعْتَدت لهن متكئاً } [ سورة يوسف : 31 ] وقوله : { ولئن لم يفعل } [ سورة يوسف : 32 ] .

والفتى : الذي في سنّ الشباب ، ويكنى به عن المملوك وعن الخادم كما يكنى بالغلام والجارية وهو المراد هنا . وإضافته إلى ضمير امرأة العزيز } لأنه غلام زوجها فهو غلام لها بالتبع ما دامت زوجة لمالكه .

وشَغَف : فعل مشتق من اسم جامد ، وهو الشِغاف بكسر الشين المعجمة وهو غلاف القلب . وهذا الفعل مثل كَبَدهُ ورآهُ وجَبَهه ، إذا أصاب كَبده ورئته وجَبهته .

والضمير المستتر في { شغفها } ل { فتاها } . ولما فيه من الإجمال جيء بالتمييز للنسبة بقوله : { حبّا } . وأصله شغفها حبه ، أي أصاب حبه شغافها ، أي اخترق الشغاف فبلغ القلب ، كناية عن التمكن .

وتذكير الفعل في { وقال نسوة } لأن الفعل المسند إلى ألفاظ الجموع غير الجمع المذكر السالِم يجوز تجريده من التاء باعتبار الجمع ، وقرنه بالتاء باعتبار الجماعة مثل { وجاءت سيارة } [ سورة يوسف : 19 ] .

وأما الهاء التي في آخر { نسوة } فليست علامة تأنيث بل هي هاء فِعلة جمع تكسير ، مثل صبية وغلمة .

وقد تقدم وجه تسمية الذي اشترى يوسف عليه السّلام باسم العزيز عند قوله تعالى : { وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته } [ سورة يوسف : 21 ] . وتقدم ذكر اسمه واسمها في العربية وفي العبرانية .

ومجيء تراود } بصيغة المضارع مع كون المراودة مضت لقصد استحضار الحالة العجيبة لقصد الإنكار عليها في أنفسهن ولومها على صنيعها . ونظيره في استحضار الحالة قوله تعالى : { يجادلنا في قوم لوط } [ سورة هود : 74 ] .

وجملة قد شغفها حباً } في موضع التعليل لجملة { تراود فتاها } .

وجملة { إنا لنراها في ضلال مبين } استئناف ابتدائي لإظهار اللوم والإنكار عليها . والتأكيد ب ( إنّ ) واللام لتحقيق اعتقادهِن ذلك ، وإبعاداً لتهمتهن بأنهن يحسدنها على ذلك الفتى .

والضلال هنا : مخالفة طريق الصواب ، أي هي مفتونة العقل بحب هذا الفتى ، وليس المراد الضلال الديني . وهذا كقوله تعالى آنفاً : { إن أبانا لفي ضلال مبين } [ سورة يوسف : 8 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (30)

قوله تعالى : " وقال نسوة في المدينة " ويقال : " نُسوة " بضم النون ، وهي قراءة الأعمش والمفضل والسلمي ، والجمع الكثير نساء . ويجوز : وقالت نسوة ، وقال نسوة ، مثل قالت الأعراب وقال الأعراب ، وذلك أن القصة انتشرت في أهل مصر فتحدث النساء . قيل : امرأة ساقي العزيز ، وامرأة خبازه ، وامرأة صاحب دوابه ، وامرأة صاحب سجنه . وقيل : امرأة الحاجب ، عن ابن عباس وغيره . " تراود فتاها عن نفسه " الفتى في كلام العرب الشاب ، والمرأة فتاة . " قد شغفها حبا " قيل : شغفها غلبها . وقيل : دخل حبه في شغافها ، عن مجاهد وغيره . وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال : دخل تحت شغافها . وقال الحسن : الشغف باطن القلب . السدي وأبو عبيد{[9067]} : شغاف القلب غلافه ، وهو جلد عليه . وقيل : هو وسط القلب ، والمعنى في هذه الأقوال متقارب ، والمعنى : وصل حبه إلى شغافها فغلب عليه ، قال النابغة :

وقد حال هَمٌّ دون ذلك داخلٌ*** دخولَ الشّغافِ تبتغيه الأصابعُ{[9068]}

وقد قيل : إن الشغاف داء ، وأنشد الأصمعي للراجز :

يتبعها وهي له شَغَافُ

وقرأ أبو جعفر بن محمد وابن محيصن والحسن " شعفها " بالعين غير معجمة ، قال ابن الأعرابي : معناه أحرق حبه قلبها ، قال : وعلى الأول العمل . قال الجوهري : وشعفه الحب أحرق قلبه . وقال أبو زيد : أمرضه . وقد شعف بكذا فهو مشعوف . وقرأ الحسن " قد شعفها " قال : بطنها حبا . قال النحاس : معناه عند أكثر أهل اللغة قد ذهب بها كل مذهب ؛ لأن شعاف الجبال . أعاليها ، وقد شغف بذلك شغفا بإسكان الغين إذا أولع به ، إلا أن أبا عبيدة أنشد بيت امرئ القيس :

لتقتلني{[9069]} وقد شَعَفْتُ فؤادَها *** كما شَعَفَ المهنوءَةَ{[9070]} الرجلُ الطَّالِي

قال : فشبهت لوعة الحب وجَوَاه بذلك . وروي عن الشعبي أنه قال : الشغف بالغين المعجمة حب ، والشعف بالعين غير المعجمة جنون . قال النحاس : وحكي " قد شغِفها " بكسر الغين ، ولا يعرف في كلام العرب إلا " شغفها " بفتح الغين ، وكذا " شعفها " أي تركها مشعوفة . وقال سعيد بن أبي عروبة عن الحسن : الشغاف حجاب القلب ، والشعاف سويداء القلب ، فلو وصل الحب إلى الشعاف لماتت ، وقال الحسن : ويقال إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالقلب{[9071]} التي لا ترى ، وهي الجلدة البيضاء ، فلصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب{[9072]} .

قوله تعالى : " إنا لنراها في ضلال مبين " أي في هذا الفعل . وقال قتادة : " فتاها " وهو فتى زوجها ؛ لأن يوسف كان عندهم في حكم المماليك ، وكان ينفذ أمرها فيه . وقال مقاتل عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : إن امرأة العزيز استوهبت زوجها يوسف فوهبه لها ، وقال : ما تصنعين به ؟ قالت : أتخذه ولدا ، قال : هو لك ، فربته حتى أيفع وفي نفسها منه ما في نفسها ، فكانت تنكشف له وتتزين وتدعوه من وجه اللطف فعصمه الله .


[9067]:في ع و ك و ي: أبو عبيدة.
[9068]:يعني أصابع المطبين، يقول: قد حال عن البكاء على الديار هم دخل في الفؤاد، حتى أصابه منه داء.
[9069]:في ي و الطبري: أتقتلني. وهو الأشبه.
[9070]:المهنوءة: المطلية بالقطران، وإذا هنئ البعير بالقطران يجد له لذة مع حرقة، كحرقة الهوى مع لذته.
[9071]:في ع و و : الكبد. وليس بصحيح.
[9072]:في ع و و : الكبد. وليس بصحيح.