التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ} (10)

موقع هذه الجملة استئناف بياني لأنّ مضمونها بمنزلة النّتيجة لعموم علم الله تعالى بالخفيات والظواهر . وعدل عن الغيبة المتبعة في الضمائر فيما تقدم إلى الخطاب هنا في قوله : { سواء منكم } لأنه تعليم يصلح للمؤمنين والكافرين .

وفيها تعريض بالتهديد للمشركين المتآمرين على النبي صلى الله عليه وسلم .

و { سواء } اسم بمعنى مستو . وإنما يقع معناه بين شيئين فصاعداً . واستعمل سواء في الكلام ملازماً حالة واحدة فيقال : هما سواء وهم سواء ، قال تعالى : { فأنتم فيه سواء } . وموقع سواء هنا موقع المبتدأ . و { من أسر القول } فاعل سدّ مسدّ الخبر ، ويجوز جعل { سواء } خبراً مقدّماً و { من أسر } مبتدأ مؤخّراً و { منكم } حال { من أسر } .

والاستخفاء : هنا الخفاء ، فالسين والتاء للمبالغة في الفعل مثل استجاب .

والسارب : اسم فاعل من سرب إذا ذهب في السّرْب بفتح السين وسكون الراء وهو الطريق . وهذا من الأفعال المشتقة من الأسماء الجامدة . وذكر الاستخفاء مع الليل لكونه أشد خفاء ، وذكر السروب مع النهار لكونه أشد ظهوراً . والمعنى : أن هذين الصنفين سواء لدى علم الله تعالى .

والواو التي عطفت أسماء الموصول على الموصول الأول للتقسيم فهي بمعنى { أو } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ} (10)

قوله تعالى : " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " إسرار القول : ما حدث به المرء نفسه ، والجهر ما حدث به غيره ، والمراد بذلك أن الله سبحانه يعلم ما أسره الإنسان من خير وشر ، كما يعلم ما جهر به من خير وشر . و " منكم " يحتمل أن يكون وصفا ل " سواء " التقدير : سير من أسر وجهر من جهر سواء منكم ، ويجوز أن يتعلق " بسواء " على معنى : يستوي منكم ، كقولك : مررت بزيد . ويجوز أن يكون على تقدير : سر من أسر منكم وجهر من جهر منكم . ويجوز أن يكون التقدير : ذو سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ، كما تقول : عدل زيد وعمرو أي ذوا عدل . وقيل : " سواء " أي مستو ، فلا يحتاج إلى تقدير حذف مضاف . " ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار " " بالنهار " أي يستوي في علم الله السر والجهر ، والظاهر في الطرقات ، والمستخفي في الظلمات . وقال الأخفش وقطرب : المستخفي بالليل الظاهر ، ومنه خفيت الشيء وأخفيته أي أظهرته ، وأخفيت الشيء أي استخرجته ، ومنه قيل للنباش : المختفي . وقال امرؤ القيس :

خَفَاهُنَّ من أنفاقِهِنّ{[9343]} كأنما*** خَفَاهُنَّ وَدْقٌ من عَشِيٍّ مُجَلَّبِ

والسارب المتواري ، أي الداخل سربا ، ومنه قولهم : انسرب الوحشي إذا دخل في كناسه . وقال ابن عباس : " مستخف " مستتر ، " وسارب " ظاهر . مجاهد : " مستخف " بالمعاصي ، " وسارب " ظاهر . وقيل : معنى " سارب " ذاهب ؛ قال{[9344]} الكسائي : سرب يسرب سَرَبا وسُرُوبا إذا ذهب ، وقال الشاعر{[9345]} :

وكل أناس قاربوا قَيْدَ فَحْلِهِمُ *** ونحنُ خلعْنَا قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ

أي ذاهب . وقال أبو رجاء : السارب الذاهب على وجهه في الأرض ، قال الشاعر{[9346]} :

أَنَّى سَرَبْتِ وكنتِ غيرَ سَرُوبِ

وقال القتبي : " سارب بالنهار " أي منصرف في حوائجه بسرعة ، من قولهم : انسرب الماء . وقال الأصمعي : خَلِّ سِرْبَهُ أي طريقه .


[9343]:أنفاق (جمع نفق): وهو سرب في الأرض إلى موضع آخر، واستعاره امرؤ القيس لحجرة الفئرة والودق: المطر. وغيث مجلب: مصوت، ويروى محلب (بالحاء).
[9344]:من ا و ح و و.
[9345]:هو الأخنس ابن شهاب التغلبي ويريد أن الناس أقاموا في موضع واحد لا يجترئون على النقلة، وحبسوا فحلهم عن أن يتقدم فتتبعه إبلهم خوفا أن يغار عليها، ونحن أعزاء خلعنا قيد فحلنا ليذهب حيث شاء.
[9346]:هو قيس بن الخطيم، وتمام البيت: وتقرب الأحلام غير قريب.