التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} (13)

جعل البرق آية نذارة وبشارة معاً لأنهم كانوا يَسِمون البرق فيتوسمون الغيث وكانوا يخشون صواعقه .

وإنشاء السحاب : تكوينه من عدم بإثارة الأبْخرة التي تتجمع سحاباً .

والسحاب : اسم جمع لسحابة . والثقال : جمع ثقيلة . والثقل كون الجسم أكثر كمية أجزاء من أمثاله ، فالثقل أمر نسبي يختلف باختلاف أنواع الأجسام ، فرب شيء يعد ثقيلاً في نوعه وهو خفيف بالنسبة لنوع آخر . والسحاب يكون ثقيلاً بمقدار ما في خلاله من البخار . وعلامة ثقله قربه من الأرض وبطء تنقله بالرياح . والخفيف منه يُسمى جهاماً .

وعطف الرعد على ذكر البرق والسحاب لأنه مقارنهما في كثير من الأحوال .

ولما كان الرعد صوتاً عظيماً جعل ذكره عبرة للسامعين لدلالة الرعد بلوازم عقلية على أن الله منزه عما يقوله المشركون من ادعاء الشركاء ، وكان شأن تلك الدلالة أن تبعث الناظر فيها على تنزيه الله عن الشريك جعل صوت الرعد دليلاً على تنزيه الله تعالى ، فإسناد التسبيح إلى الرعد مجاز عقلي . ولك أن تجعله استعارة مكنية بأن شبه الرعد بآدمي يُسبح الله تعالى ، وأثبت شيء من علائق المشبّه به وهو التسبيح ، أي قول سبحان الله .

والباء في { بحمده } للملابسة ، أي ينزه الله تنزيهاً ملابساً لحمده من حيث إنه دال على اقتراب نزول الغيث وهو نعمة تستوجبُ الحمد . فالقول في ملابسة الرعد للحمد مساوٍ للقول في إسناد التسبيح إلى الرعد . فالملابسة مجازية عقلية أو استعارة مكنية .

و { الملائكة } عطف على الرعد ، أي وتسبح الملائكة من خيفته ، أي من خوف الله .

و { من } للتعليل ، أي ينزهون الله لأجل الخوف منه ، أي الخوف مما لا يرضى به وهو التقصير في تنزيهه .

وهذا اعتراض بين تعداد المواعظ لمناسبة التعريض بالمشركين ، أي أن التنزيه الذي دلت عليه آيات الجو يقوم به الملائكة ، فالله غني عن تنزيهكم إياه ، كقوله : { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } [ سورة الزمر : 7 ] ، وقوله : { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد } [ سورة إبراهيم : 8 ] .

واقتصر في العبرة بالصواعق على الإنذار بها لأنها لا نعمة فيها لأن النعمة حاصلة بالسحاب وأما الرعد فآلة من آلات التخويف والإنذار . كما قال في آية سورة البقرة { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } [ سورة البقرة : 19 ] . وكان العرب يخافون الصواعق . ولقبوا خويلد بن نفيل الصَعِق لأنه أصابته صاعقة أحرقته .

ومن هذا القبيل قول النبي : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوّف الله بهما عباده ، أي بكسوفهما فاقتصر في آيتهما على الإنذار إذ لا يترقب الناس من كسوفهما نفعاً .

وجملة { وهم يجادلون في الله } في موضع الحال لأنه من متممات التعجب الذي في قوله : { وإن تعجب فعجب قولهم } [ الرعد : 5 ] الخ . فضمائر الغيبة كلها عائدة إلى الكفار الذين تقدم ذكرهم في صدر السورة بقوله : { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } [ الرعد : 1 ] وقوله : { أولئك الذين كفروا بربهم } [ الرعد : 5 ] وقوله : { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه } [ الرعد : 7 ] . وقد أعيد الأسلوب هنا إلى ضمائر الغيبة لانقضاء الكلام على ما يصلح لموعظة المؤمنين والكافرين فتمحض تخويف الكافرين .

والمجادلة : المخاصمة والمراجعة بالقول . وتقدم في قوله تعالى : { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } في سورة النساء ( 107 ) .

وقد فهم أن مفعول يجادلون } هو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون . فالتقدير : يجادلونك أو يجادلونكم ، كقوله : { يجادلونك في الحق بعد ما تبين } في سورة الأنفال ( 6 ) .

والمجادلة إنما تكون في الشؤون والأحوال ، فتعليق اسم الجلالة المجرور بفعل { يجادلون } يتعين أن يكون على تقدير مضاف تدل عليه القرينة ، أي في توحيد الله أو في قدرته على البعث .

ومن جدلهم ما حكاه قوله : { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم } في سورة يس ( 77 ، 78 ) .

والمِحال : بكسر الميم يحتمل هنا معنيين ، لأنه إن كانت الميم فيه أصلية فهو فِعال بمعنى الكيد وفعله مَحَل ، ومنه قولهم تمحل إذا تحيل .

جعل جدالهم في الله جدال كيد لأنهم يبرزونه في صورة الاستفهام في نحو قولهم : { من يُحيي العظام وهي رميم } فقوبل ب { شديد المحال } على طريقة المشاكلة ، أي وهو شديد المحال لا يغلبونه ، ونظيره { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } [ سورة آل عمران : 54 ] .

وقال نفطويه : هو من ماحل عن أمره ، أي جَادل . والمعنى : وهو شديد المجادلة ، أي قوي الحجة .

وإن كانت الميم زائدة فهو مفعل من الحول بمعنى القوة ، وعلى هذا فإبدال الواو ألفاً على غير قياس لأنه لا موجب للقلب لأن ما قبل الواو ساكن سكوناً حياً . فلعلهم قلبوها ألفاً للتفرقة بينه وبين مِحول بمعنى صبي ذي حول ، أي سنة .

وذكر الواحدي والطبري أخباراً عن أنس وابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في قضية عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة حين وردا المدينة يشترطان لدخولهما في الإسلام شروطاً لم يقبلها منهما النبي . فهمّ أرْبَد بقتل النبي فصرفه الله ، فخرج هو وعامر بن الطفيل قاصدين قومهما وتواعدا النبي بأن يجلبا عليه خيل بني عامر . فأهلك الله أربَد بصاعقة أصابته وأهلك عامراً بِغُدة نبتت في جسمه فمات منها وهو في بيت امرأة من بني سلول في طريقه إلى أرض قومه ، فنزلت في أربد { ويرسل الصواعق } وفي عامر { وهم يجادلون في الله } .

وذكر الطبري عن صحار العبدي : أنها نزلت في جبار آخر . وعن مجاهد : أنها نزلت في يهودي جادل في الله فأصابته صاعقة .

ولما كان عامر بن الطفيل إنما جاء المدينة بعد الهجرة وكان جدال اليهود لا يكون إلا بعد الهجرة أقدم أصحاب هذه الأخبار على القول بأن السورة مدنية أوْ أن هذه الآيات منها مدنية ، وهي أخبار ترجع إلى قول بعض الناس بالرأي في أسباب النزول . ولم يثبت في ذلك خبر صحيح صريح فلا اعتداد بما قالوه فيها ولا يخرج السورة عن عداد السور المكية . وفي هذه القصة أرسل عامر بن الطفيل قوله : « أغُدّة كغدة البعير وموت في بيت سلولية » مثلاً . ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربدَ بأبيات منها :

أخشى على أربد الحتوف ولا *** أرهب نَوْء السِماك والأسد{[254]}

فجّعَني الرعد والصواعق بالف *** ارس يوم الكريهة النّجِدِ


[254]:- السماك- بكسر السين- اسم لنجوم.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ} (13)

" ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته " قد مضى في " البقرة " {[9359]} القول في الرعد والبرق والصواعق فلا معنى للإعادة ، والمراد بالآية بيان كمال قدرته ، وأن تأخير العقوبة ليس عن عجز ، أي يربكم البرق في السماء خوفا للمسافر ، فإنه يخاف أذاه لما ينال من المطر والهول والصواعق ، قال الله تعالى : " أذى من مطر{[9360]} " [ النساء : 102 ] وطمعا للحاضر أن يكون عقبه مطر وخصب ، قال معناه قتادة ومجاهد وغيرهما . وقال الحسن : خوفا من صواعق البرق ، وطمعا في غيثه المزيل للقحط . " وينشئ السحاب الثقال " قال مجاهد : أي بالماء . " ويسبح الرعد بحمده " من قال : إن الرعد صوت السحاب فيجوز أن يسبح الرعد بدليل خلق الحياة فيه ، ودليل صحة هذا القول قوله : " والملائكة من خيفته " فلو كان الرعد ملكا لدخل في جملة الملائكة . ومن قال إنه ملك قال : معنى . " من خيفته " من خيفة الله ، قاله الطبري وغيره . قال ابن عباس : إن الملائكة خائفون من الله ليس كخوف ابن آدم ، لا يعرف واحدهم من على يمينه ومن على يساره ، لا يشغلهم عن عبادة الله طعام ولا شراب ، وعنه قال : الرعد ملك يسوق السحاب ، وإن بخار الماء لفي نقرة إبهامه ، وإنه موكل بالسحاب يصرفه حيث يؤمر ، وإنه يسبح الله ، فإذا سبح الرعد لم يبق ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح ، فعندها ينزل القطر ، وعنه أيضا كان إذا سمع صوت الرعد قال : سبحان الذي سبحت له . وروى مالك عن عامر بن عبدالله عن أبيه أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال : سبحانه الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ، ثم يقول : إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد . وقيل : إنه ملك جالس على كرسي بين السماء والأرض ، وعن يمينه سبعون ألف ملك وعن يساره مثل ذلك ، فإذا أقبل على يمينه وسبح سبح الجميع من خوف الله ، وإذا أقبل على يساره وسبح سبح الجميع من خوف الله .

قوله تعالى : " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء " ذكر الماوردي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب ومجاهد : نزلت في يهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني ! من أي شيء ربك ، أمن لؤلؤ أم من ياقوت ؟ فجاءت صاعقة فأحرقته . وقيل : نزلت في بعض كفار العرب ، قال الحسن : ( كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام فقال لهم : أخبروني عن رب محمد ما هو ، ومم هو ، أمن فضة أم من حديد أم نحاس ؟ فاستعظم القوم مقالته ، فقال : أجيب محمدا إلى رب لا يعرفه ! فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه مرارا وهو يقول مثل هذا ، فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم ، فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة ، فأحرقت الكافر وهم جلوس ، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : احترق صاحبكم ، فقالوا : من أين علمتم ؟ قالوا : أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم . " ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء " ) . ذكره الثعلبي عن الحسن ، والقشيري بمعناه عن أنس ، وسيأتي . وقيل : نزلت الآية في أربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة ، وفي عامر بن الطفيل . قال ابن عباس : ( أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة العامريان يريدان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه ، فدخلا المسجد ، فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور ، وكان من أجمل الناس ، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هذا يا رسول الله عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك ، فقال : ( دعه فإن يرد الله به خيرا يهده ) فأقبل حتى قام عليه فقال ، يا محمد مالي إن أسلمت ؟ فقال : ( لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين ) . قال : أتجعل لي الأمر من بعدك ؟ قال : ( ليس ذاك إلي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء ) . قال : أفتجعلني على الوبر وأنت على المدر ؟ قال : ( لا ) . قال : فما تجعل لي ؟ قال : ( أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها في سبيل الله ) . قال : أو ليس لي أعنة الخيل اليوم ؟ قم معي أكلمك ، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عامر أومأ إلى أربد : إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف ، فجعل يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ويراجعه ، فاخترط أربد من سيفه شبرا ثم حبسه الله ، فلم يقدر على سله ، ويبست يده على سيفه ، وأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته ، وولى عامر هاربا وقال : يا محمد ! دعوت ربك على أربد حتى قتلته ، والله لأملأنها عليك خيلا جُرْدًا ، وفتيانا مردا ، فقال عليه السلام : ( يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة ) يعني الأوس والخزرج ، فنزل عامر بيت امرأة سلولية ، وأصبح وهو يقول : والله لئن أَصْحَرَ{[9361]} لي محمد وصاحبه - يريد ملك الموت - لأنفذتهما برمحي ، فأرسل الله ملكا فلطمه بجناحه فأذراه{[9362]} في التراب ، وخرجت على ركبته غدة عظيمة في الوقت ، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول : غدة كغدة البعير ، وموت في بيت سلولية ، ثم ركب على فرسه فمات على ظهره ) . ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد فقال :

يا عينُ هلا بكيتِ أربدَ إذ *** قمنا وقام الخصوم في كَبَدِ{[9363]}

أخشى على أربد الحتوفَ ولا *** أرهبُ نوءَ السِّمَاك والأسَدِ

فَجَّعَنِي الرعدُ والصواعق بال*** فارس يوم الكَرِيهَةِ النَّجِدِ{[9364]}

وفيه قال :

إن الرَّزِيَّةَ لا رزية مثلُها *** فقدانُ كل أخ كضوء الكوكبِ

يا أربد الخير الكريم جدودُه *** أفردتني أمشي بقَرْنٍ أعْضَبِ{[9365]}

وأسلم لبيد بعد ذلك رضي الله عنه .

مسألة : روى أبان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تأخذ الصاعقة ذاكرا لله عز وجل ) . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد يقول : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعلي ديته ){[9366]} . وذكر الخطيب من حديث سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده قال : كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرد ، فقال لنا كعب : من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما يكون في ذلك الرعد ، ففعلنا فعوفينا ، ثم لقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإذا بَرَدَةٌ{[9367]} قد أصابت أنفه فأثرت به ، فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذا ؟ قال بردة أصابت أنفي فأثرت ، فقلت : إن كعبا حين سمع الرعد قال لنا : من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما يكون في ذلك الرعد ، فقلنا فعوفينا ، فقال عمر : أفلا قلتم لنا حتى نقولها ؟ وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " {[9368]} .

قوله تعالى : " وهم يجادلون في الله " يعني جدال اليهودي حين سأل عن الله تعالى : من أي شيء هو ؟ قاله مجاهد . وقال ابن جريج : جدال أربد فيما هم به من قتل النبي صلى الله عليه وسلم . ويجوز أن يكون " وهم يجادلون في الله " حالا ، ويجوز أن يكون منقطعا . وروى أنس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى عظيم من المشركين يدعوه إلى الله عز وجل ، فقال لرسول الله : أخبرني عن إلهك هذا ؟ أهو من فضة أم من ذهب أم من نحاس ؟ فاستعظم ذلك ، فرجع إليه فأعلمه ، فقال : ارجع إليه فادعه فرجع إليه وقد أصابته صاعقة ، وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل : " وهم يجادلون في الله " " وهو شديد المحال " قال ابن الأعرابي : " المحال " المكر ، والمكر من الله عز وجل التدبير بالحق . النحاس : المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر . وروى ابن اليزيدي عن أبي زيد " وهو شديد المحال " أي النقمة . وقال الأزهري : " المحال " أي القوة والشدة . والمحل : الشدة ، الميم أصلية ، وماحَلْتُ فلانا مِحَالا أي قاويته حتى يتبين أينا أشد . وقال أبو عبيد : " المحال " العقوبة والمكروه . وقال ابن عرفة : " المحال " الجدال ، يقال : ما حل عن أمره أي جادل . وقال القتيبي : أي شديد الكيد ، وأصله من الحيلة ، جعل ميمه كميم المكان ، وأصله من الكون ، ثم يقال : تمكنت . وقال الأزهري : غلط ابن قتيبة أن الميم فيه زائدة ، بل هي أصلية ، وإذا رأيت الحرف على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية ، مثل : مهاد وملاك ومراس ، وغير ذلك من الحروف . ومفعل إذا كانت من بنات الثلاثة فإنه يجيء بإظهار الواو{[9369]} مثل : مزود ومحول ومحور ، وغيرها من الحروف ، وقال{[9370]} : وقرأ الأعرج " وهو شديد الَمحال " بفتح الميم ، وجاء تفسيره على هذه القراءة عن ابن عباس أنه الحول ، ذكر هذا كله أبو عبيد الهروي ، إلا ما ذكرناه أولا عن ابن الأعرابي ، وأقاويل الصحابة والتابعين بمعناها ، وهي ثمانية : أولها : شديد العداوة ، قاله ابن عباس . وثانيها : شديد الحول ، قاله ابن عباس أيضا . وثالثها : شديد الأخذ ، قاله علي بن أبي طالب . ورابعها : شديد الحقد ، قاله ابن عباس . وخامسها : شديد القوة ، قاله مجاهد . وسادسها : شديد الغضب ، قاله وهب بن منبه . وسابعها : شديد الهلاك بالمحل ، وهو القحط ، قاله الحسن أيضا . وثامنها : شديد الحيلة ، قاله قتادة . وقال أبو عبيدة معمر : المحال والمماحلة المماكرة والمغالبة ، وأنشد للأعشى :

فرع نَبْعٍ يهتز في غصن المج*** د كثير النَّدَى شديدُ المِحال

وقال آخر{[9371]} :

ولبس بينَ أقوامٍ فَكُلٌّ *** أَعَدَّ له الشَّغَازِبَ والمِحَالاَ

وقال عبدالمطلب :

لا هُمَّ إن المرءَ يم *** نع رحله فامنعْ حلاَلَكْ{[9372]}

لا يغلبنَّ صليبُهم ومِحَا *** لُهُمْ عَدْواً مِحَالَكْ


[9359]:راجع ج 1 ص 216 فما بعد.
[9360]:راجع ج 5 ص 372.
[9361]:أصحر الرجل: إذا خرج إلى الصحراء.
[9362]:أذراه: قلعه ورمى به.
[9363]:كبد: شدة وعناء.
[9364]:النجد: السريع الإجابة.
[9365]:قرن أعضب: مكسور.
[9366]:في العبارة سقط والذي في تفسير البغوي: عن ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال. الحديث ثم قال: فإن أصابته صاعقة فعلى ديته. محققه.
[9367]:البرد (بالتحريك): حب الغمام.
[9368]:راجع ج 1 ص 216 فما بعد.
[9369]:أي والياء في ذوات الياء كالمعير والمزيل. كما في اللسان.
[9370]:أي الأزهري كما في اللسان مادة "محل".
[9371]:هو ذو الرمة، والبيت من قصيدة يمدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى. واللبس: الاختلاط. والشغازب، قال الأصمعي: الشغزبية ضرب من الحيلة في الصراع، وهو أن يدخل الرجل بين رجلي صاحبه فيصرعه، والمعنى: فكل رجل من القوم أعد له حجة وكيدا.
[9372]:الحلال (بالكسر): القوم المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم. ويروى: غدوا: الغدو أصل الغدو وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك فحذفت لامه. اللسان. ويروى: أبدا محالك. البحر.