التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (28)

القرينة ظاهرة على أنّ قوله تعالى : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } ليست من مقول الذين أوتوا العلم يوم القيامة ، إذ لا مناسبة لأن يعرّف الكافرون يوم القيامة بأنهم الّذين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنْفُسهم ؛ فإن صيغة المضارع في قوله تعالى : { تتوفاهم الملائكة } قريبة من الصريح في أن هذا التوفّي محكيّ في حال حصوله وهم يوم القيامة مضت وفاتهم ولا فائدة أخرى في ذكر ذلك يومئذٍ ، فالوجه أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً .

وعن عكرمة : نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكّة ولم يهاجروا فأخرجهم قريش إلى بدْر كَرهاً فقُتلوا ببدر .

فالوجه أن { الذين تتوفاهم الملائكة } بدل من { الذين } في قوله تعالى : { فالذين لا يؤمنون بالآخرة } [ سورة النحل : 22 ] أو صفة لهم ، كما يومىء إليه وصفهم في آخر الآية بالمتكبّرين في قوله تعالى : { فلبئس مثوى المتكبرين } ، فهم الّذين وصفوا فيما قبل بقوله تعالى : { وهم مستكبرون } [ سورة النحل : 22 ] ، وما بينهما اعتراض . وإن أبيت ذلك لبعد ما بين المتبوع والتّابع فاجعل { الذين تتوفاهم الملائكة } خبراً لمبتدإ محذوف . والتقدير : هم الذين تتوفاهم الملائكة .

وحذف المسند إليه جار على الاستعمال في أمثاله من كلّ مسند إليه جرى فيما سلف من الكلام . أخبر عنه وحدث عن شأنه ، وهو ما يعرف عند السكاكي بالحذف المتّبع فيه الاستعمال . ويقابل هذا قوله تعالى فيما يأتي : { الذين تتوفّاهم الملائكة طيبين } [ سورة النحل : 32 ] فإنه صفة { للذين اتقوا } [ سورة النحل : 30 ] فهذا نظيره .

والمقصود من هذه الصلة وصف حالة الذين يموتون على الشّرك ؛ فبعد أن ذكر حال حلول العذاب بمن حلّ بهم الاستئصال وما يحلّ بهم يوم القيامة ذكرت حالة وفاتهم التي هي بين حالي الدّنيا والآخرة ، وهي حال تعرض لجميعهم سواء منهم من أدركه الاستئصال ومن هلك قبل ذلك .

وأطبق من تصدّى لربطه بما قبله من المفسّرين ، على جعل { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية بَدلاً من { الكافرين } في قوله تعالى : { إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } [ سورة النحل : 27 ] ، أو صفة له . وسكت عنه صاحب الكشاف ( وهو سكوت مِن ذهب ) . وقال الخفاجي : « وهو يصحّ فيه أن يكون مقولاً للقول وغير مندرج تحته » . وقال ابن عطيّة : « ويحتمل أن يكون { الذين } مرتفعاً بالابتداء منقطعاً مما قبله وخبره في قوله : { فألقوا السلم } [ سورة النحل : 28 ] ا ه .

واقتران الفعل بتاء المضارعة التي للمؤنث في قراءة الجمهور باعتبار إسناده إلى الجماعة . وقرأ حمزة وخلف { يتوفّاهم } بالتحتية على الأصل .

وظلم النّفس : الشّرك .

والإلقاء : مستعار إلى الإظهار المقترن بمذلّة . شبّه بإلقاء السّلاح على الأرض ، ذلك أنّهم تركوا استكبارهم وإنكارهم وأسرعوا إلى الاعتراف والخضوع لما ذاقوا عذاب انتزاع أرواحهم .

والسَلَم بفتح السين وفتح اللاّم الاستسلام . وتقدّم الإلقاء والسَلَم عند قوله تعالى : { وألقوا إليكم السّلم } في سورة النساء ( 90 ) . وتقدم الإلقاء الحقيقي عند قوله تعالى : { وألقى في الأرض رواسي } في أول هذه السورة ( 15 ) .

ووصفهم ب { ظالمي أنفسهم } يرمي إلى أن توفّي الملائكة إيّاهم ملابس لغلظة وتعذيب ، قال تعالى : { ولو ترى إذ يتوفّى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } [ سورة الأنفال : 50 ] .

وجملة { ما كنا نعمل من سوء } مقول قول محذوف دلّ عليْه { ألقوا السلم } ، لأن إلقاء السَلَم أوّل مظاهره القول الدّال على الخضوع . يقولون ذلك للملائكة الّذين ينتزعون أرواحهم ليكفّوا عنهم تعذيب الانتزاع ، وهم من اضطراب عقولهم يحسبون الملائكة إنما يجرّبونهم بالعذاب ليطّلعوا على دخيلة أمرهم ، فيحسبون أنهم إن كذبوهم رَاج كذبهم على الملائكة فكفّوا عنهم العذاب ، لذلك جحدوا أن يكونوا يعملون سوءاً من قبل .

ولذلك فجملة { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } جواب الملائكة لهم ، ولذلك افتتحت بالحرف الّذي يبطل به النّفي وهو { بلى } . وقد جعلوا علم الله بما كانوا يعملون كناية عن تكذيبهم في قولهم : { ما كنا نعمل من سوء } ، وكناية على أنّهم ما عاملوهم بالعذاب إلاّ بأمر من الله تعالى العالم بهم .

وأسندوا العلم إلى الله دون أن يقولوا : إنّا نعلم ما كنتم تعملون ، أدباً مع الله وإشعاراً بأنهم ما علموا ذلك إلاّ بتعليم من الله تعالى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (28)

قوله تعالى : " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " هذا من صفة الكافرين . و " ظالمي أنفسهم " نصب على الحال ، أي وهم ظالمون أنفسهم إذ أوردوها موارد الهلاك . " فألقوا السلم " أي الاستسلام . أي أقروا لله بالربوبية وانقادوا عند الموت وقالوا : " ما كنا نعمل من سوء " أي من شرك . فقالت لهم الملائكة : " بلى " قد كنتم تعملون الأسواء . " إن الله عليم بما كنتم تعملون " وقال عكرمة . نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا ، فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا بها ؛ فقال : " الذين تتوفاهم الملائكة " بقبض أرواحهم . " ظالمي أنفسهم " في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة . " فألقوا السلم " يعني في خروجهم معهم . وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه الصلح ، قاله الأخفش . الثاني : الاستسلام ، قاله قطرب . الثالث : الخضوع ، قاله مقاتل . " ما كنا نعمل من سوء " يعني من كفر . " بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون " يعني أن أعمالكم{[9859]} أعمال الكفار . وقيل : إن بعض المسلمين لما رأوا قلة المؤمنين رجعوا إلى المشركين ، فنزلت فيهم . وعلى القول الأول فلا يخرج كافر ولا منافق من الدنيا حتى ينقاد ويستسلم ، ويخضع ويذل ، ولا تنفعهم حينئذ توبة ولا إيمان ، كما قال : " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا{[9860]} " [ غافر : 85 ] . وقد تقدم هذا المعنى . وتقدم في " الأنفال{[9861]} " إن الكفار يتوفون بالضرب والهوان ، وكذلك في " الأنعام " {[9862]} . وقد ذكرناه في كتاب التذكرة .


[9859]:كذا في ج و ي. وفي ا و و: أعمالهم.
[9860]:راجع ج 15 ص 335.
[9861]:راجع ج 8 ص 28.
[9862]:راجع ج 7 ص 144 وما بعدها.