التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ} (30)

{ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا }

لمّا افتتحت صفة سيّئات الكافرين وعواقبها بأنّهم إذا قيل لهم { ماذا أنزل ربكم } [ سورة النحل : 24 ] قالوا : { أساطير الأولين } [ سورة النحل : 24 ] ، جاءت هنا مقابلة حالهم بحال حسنات المؤمنين وحسن عواقبها ، فافتتح ذلك بمقابل ما افتتحت به قصّة الكافرين ، فجاء التنظير بين القصّتين في أبدع نظم .

وهذه الجملة معطوفة على الجمل التي قبلها ، وهي معترضة في خلال أحوال المشركين استطراداً . ولم تقترن هذه الجملة بأداة الشرط كما قرنت مقابلتها بها وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } ، لأن قولهم : { أساطير الأولين } لما كان كذبا اختلقوه كان مظنة أن يقلع عنه قائلهُ وأن يرعوي إلى الحقّ وأن لا يجمع عليه القائلون ، قرن بأداة الشرط المقتضية تكرّر ذلك للدّلالة على إصْرارهم على الكفر ، بخلاف ما هنا فإن الصّدق مظنّة استمرار قائله عليه فليْس بحاجة إلى التّنبيه على تكرّره منه .

والذين اتّقوا : هم المؤمنون لأن الإيمان تقوى الله وخشية غضبه . والمراد بهم المؤمنون المعهودون في مكّة ، فالموصول للعهد .

والمعنى أنّ المؤمنين سئُلوا عن القرآن ، ومن جاء به ، فأرشدوا السائلين ولم يتردّدوا في الكشف عن حقيقة القرآن بأوجز بيان وأجمعه ، وهو كلمة { خيراً } المنصوبة ، فإن لفظها شامل لكلّ خير في الدّنيا وكلّ خير في الآخرة ، ونصبَها دال على أنّهم جعلوها معمولة ل { أنزل } الواقع في سؤال السائلين ، فدل النّصب على أنّهم مصدّقون بأنّ القرآن منزل من عند الله ، وهذا وجه المخالفة بين الرفع في جواب المشركين حين قيل لهم : { ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين } [ سورة النحل : 24 ] بالرّفع وبين النصب في كلام المؤمنين حين قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً } بالنّصب . وقد تقدم ذلك آنفاً عند قوله تعالى : { قالوا أساطير الأولين } .

{ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين } .

مستأنفة ابتدائية ، وهي كلامٌ من الله تعالى مثل نظيرها في آية { قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة } في سورة الزمر ( 10 ) ، وليست من حكاية قول الذين اتّقوا .

والّذين أحسنوا : هم المتقون فهو من الإظهار في مقام الإضمار توصّلا بالإتيان بالموصول إلى الإيماء إلى وجه بناء الخبر ، أي جزاؤهم حسنة لأنهم أحسنوا .

وقوله تعالى : { في هذه الدنيا } يجوز أن يتعلق بفعل { أحسنوا } . ويجوز أن يكون ظرفاً مستقرّاً حالاً من { حسنة } . وانظر ما يأتي في نظر هذه الآية من سورة الزمر من نكتة هذا التوسيط .

ومعنى { ولدار الآخرة خير } أنّها خير لهم من الدّنيا فإذا كانت لهم في الدنيا حسنة فلهم في الآخرة أحسن ، فكما كان للّذين كفروا عذاب الدّنيا وعذاب جهنّم كان للّذين اتّقوا خيرُ الدّنيا وخير الآخرة .

فهذا مقابل قوله تعالى في حقّ المشركين { ليحملوا أوزارهم كاملة } [ سورة النحل : 25 ] وقوله تعالى : { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } [ سورة النحل : 26 ] .

وحسنة الدّنيا هي الحياة الطيّبة وما فتح الله لهم من زهرة الدنيا مع نعمة الإيمان . وخير الآخرة هو النّعيم الدّائم ، قال تعالى : { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيّبة ولنجزيّنهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [ سورة النحل : 97 ] .

وقوله تعالى : { ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها } مقابل قوله تعالى في ضدّهم { فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } [ سورة النحل : 29 ] .

وقد تقدّم آنفاً وجه تسمية جهنّم مثوى والجنّة داراً .

و ( نِعم ) فعل مدح غير متصرّف ، ومرفوعُهُ فاعل دالّ على جنس الممدوح ، ويذكر بعده مرفوع آخر يسمّى المخصوص بالمدح ، وهو مبتدأ محذوف الخبر ، أو خبر محذوفُ المبتدإ . فإذا تقدّم ما يدلّ على المخصوص بالمدح لم يذكر بعد ذلك كما هنا ، فإنّ تقدم { ولدار الآخرة } دلّ على أنّ المخصوص بالمدح هو دار الآخرة . والمعنى : ولنعم دار المتّقين دار الآخرة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ} (30)

قوله تعالى : " وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا " أي قالوا : أنزل خيرا ، وتم الكلام . و " ماذا " على هذا اسم واحد . وكان يرد الرجل من العرب مكة في أيام الموسم فيسأل المشركين عن محمد عليه السلام فيقولون : ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون . ويسأل المؤمنين فيقولون : أنزل الله عليه الخير والهدى ، والمراد القرآن . وقيل : إن هذا يقال لأهل الإيمان يوم القيامة . قال الثعلبي : فإن قيل : لم ارتفع الجواب في قوله : " أساطير الأولين " [ النحل : 24 ] وانتصب في قوله : " خيرا " فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل ، فكأنهم قالوا : الذي يقوله محمد هو أساطير الأولين . والمؤمنين آمنوا بالنزول فقالوا : أنزل خيرا ، وهذا مفهوم معناه من الإعراب ، والحمد لله .

قوله تعالى : " للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة " قيل : هو من كلام الله عز وجل . وقيل : هو من جملة كلام الذين اتقوا . والحسنة هنا : الجنة ، أي من أطاع الله فله الجنة غدا . وقيل : " للذين أحسنوا " اليوم حسنة في الدنيا من النصر والفتح والغنيمة " ولدار الآخرة خير " أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا ؛ لفنائها وبقاء الآخرة . " ولنعم دار المتقين " فيه وجهان : قال الحسن : المعنى ولنعم دار المتقين الدنيا ؛ لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة . وقيل : المعنى ولنعم دار المتقين الآخرة ، وهذا قول الجمهور . وعلى هذا تكون " جنات عدن " بدلا من الدار فلذلك ارتفع . " جنات عدن " بدلا من الدار فلذلك ارتفع . وقيل : ارتفع على تقدير هي جنات ، فهي مبينة لقوله : " دار المتقين " . أو تكون مرفوعة بالابتداء ، التقدير : جنات عدن نعم دار المتقين . " يدخلونها " في موضع الصفة ، أي مدخولة . وقيل : " جنات " رفع بالابتداء ، وخبره " يدخلونها " وعليه يخرج قول الحسن . والله أعلم . " تجري من تحتها الأنهار " تقدم معناه في البقرة{[9864]} . " لهم فيها ما يشاؤون " أي مما تمنوه وأرادوه . " كذلك يجزي الله المتقين " أي مثل هذا الجزاء يجزي الله المتقين .


[9864]:راجع ج 1 ص 239.