التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا} (68)

الفاء تفريع على جملة { أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل } [ مريم : 67 ] ، باعتبار ما تضمنته من التهديد . وواو القسم لتحقيق الوعيد . والقسم بالرب مضافاً إلى ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم إدماج لتشريف قدره .

وضمير { لنحشرنهم } عائد إلى { الإنسان } [ مريم : 66 ] المراد به الجنس المفيد للاستغراق العرفي كما تقدم ، أي لنحشرن المشركين .

وعطف ( الشياطين ) على ضمير المشركين لقصد تحقيرهم بأنهم يحشرون مع أحقر جنس وأفسده ، وللإشارة إلى أن الشياطين هم سبب ضلالهم الموجب لهم هذه الحالة ، فحشرهم مع الشياطين إنذار لهم بأن مصيرهم هو مصير الشياطين وهو محقق عندالناس كلهم . فلذلك عطف عليه جملة { ثم لنُحضِرنّهم حول جهنّم جثيّاً } ، والضميرُ للجميع . وهذا إعداد آخر للتقريب من العذاب فهو إنذار على إنذار وتدرج في إلقاء الرّعب في قلوبهم . فحرف { ثم للترتيب الرتبي لا للمهلة إذ ليست المهلة مقصودة وإنما المقصود أنهم ينقلون من حالة عذاب إلى أشد .

و { جثيّاً } حال من ضمير { لنحضرنهم } ، والجُثيّ : جمع جَاثثٍ . ووزنه فُعول مثل : قاعد وقُعود وجالس وجُلوس ، وهو وزن سماعيّ في جمع فاعل . وتقدّم نظيره { خروا سجداً وبكياً } [ مريم : 58 ] ، فأصل جُثي جُثُور بواوَين لأن فعله واوي ، يقال : جثا يَجثو إذا بَرك على ركبتيه وهي هيئة الخاضع الذليل ، فلمّا اجتمع في جثووٌ واوان استثقلا بعد ضمّة الثاء فصير إلى تخفيفه بإزالة سبب الثقل السابق وهو الضمة فعوضت بكسر الثاء ، فلمّا كسرت الثاء تعين قلب الواو الموالية لها ياءً للمناسبة فاجتمع الواو والياء وسبق أحدهما بالسكون فقلبت الواو الأخرى ياء وأدغمتا فصار جثي .

وقرى حمزة ، والكسائي ، وحفص ، وخلف بكسر الجيم وهو كسر إتباع لحركة الثاء .

وهذا الجثو هو غير جثوّ الناس في الحشر المحكيّ بقوله تعالى : { وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها } [ الجاثية : 28 ] فإن ذلك جثوّ خضوع لله ، وهذا الجثوّ حول جهنّم جثوّ مذلّة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا} (68)

قوله تعالى : " فوربك لنحشرنهم " أقسم بنفسه بعد إقامة الحجة بأنه يحشرهم من قبورهم إلى المعاد كما يحشر المؤمنين . " والشياطين " أي ولنحشرن الشياطين قرناء لهم . قيل : يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة ، كما قال " احشروا الذين ظلموا وأزواجهم{[10905]} " [ الصافات : 22 ] الزمخشري : والواو في " والشياطين " يجوز أن تكون للعطف وبمعنى مع ، وهي بمعنى مع أوقع ، والمعنى : أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذي أغووهم ، يقرنون{[10906]} كل كافر مع شيطان في سلسلة . فإن قلت : هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة ، فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين ؟ قلت : إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا ، وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين ، فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة ، فإن قلت : هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء ؟ قلت : لم يفرق بينهم في المحشر ، وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم ، وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم ، فيزدادوا لذلك غبطة وسرورا إلى سرور ، ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم فتزداد مساءتهم وحسرتهم{[10907]} وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم . فإن قلت : ما معنى إحضارهم جثيا ؟ قلت : أما إذا فسر الإنسان بالخصوص ، فالمعنى : أنهم يعتلون من المحشر إلى شاطئ جهنم عَتْلاً{[10908]} على حالهم التي كانوا عليها في الموقف ، جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم ، وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو قال الله تعالى " وترى كل أمة جاثية " {[10909]} على الحالة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات من تجاثي أهلها على الركب ؛ لما في ذلك من الاستيفاز{[10910]} والقلق وإطلاق الجُثَا خلاف الطمأنينة ، أو{[10911]}لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثوا وإن فسر بالعموم ، فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنم . على أن " جثيا " حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين ؛ لأنه من توابع التواقف للحساب ، قبل التواصل إلى الثواب والعقاب ، ويقال : إن معنى " ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا " أي جثيا على ركبهم عن مجاهد وقتادة أي أنهم لشدة ما هم فيه لا يقدرون على القيام " وحول جهنم " يجوز أن يكون داخلها كما تقول : جلس القوم حول البيت أي داخله مطيفين به . فقوله ( حول جهنم ) على هذا يجوز أن يكون بعد الدخول ، ويجوز أن يكون قبل الدخول ، و " جثيا " جمع جاث . يقال : جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا ، على فعول فيهما ، وأجثاه غيره وقوم جثي أيضا ، مثل جلس جلوسا وقوم جلوس وجثي أيضا بكسر الجيم لما بعدها من الكسر . وقال ابن عباس : " جثيا " جماعات . وقال مقاتل : جمعا جمعا ، وهو على هذا التأويل جمع جُثْوة وجَثْوة وجِثْوة ثلاث لغات ، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع ، فأهل الخمر على حدة وأهل الزنى على حدة ، وهكذا قال طرفة :

ترى جُثْوَتَيْنِ من تراب عليها *** صفائحُ صُمٌّ من صفيحٍ مُنَضَّدِ

وقال الحسن والضحاك : جاثية على الركب ، وهو على هذا التأويل جمع جاث ، على ما تقدم ، وذلك لضيق المكان أي لا يمكنهم أن يجلسوا جلوسا تاما ، وقيل : جثيا على ركبهم للتخاصم ، كقوله تعالى " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون{[10912]} " وقال الكميت :

هم تركوا سَرَاتَهُمُ جثيًّا *** وهم دون السَّرَاةِ مقرَّنِينَا


[10905]:راجع جـ 15 ص 72 فما بعد.
[10906]:كذا في أ وفي ب وجـ و ز و ط و ك. يقرن. وفي ي: يحشر.
[10907]:في ز: حزنهم.
[10908]:العتل: الدفع والإرهاق بالسوق العنيف. قعد مستوفزا أي غير مطمئن.
[10909]:راجع جـ 16 ص 174.
[10910]:الاستيفاز: عدم الاطمئنان؛ قاله الجوهري.
[10911]:في جـ: ولما يدهمهم.
[10912]:راجع جـ 15 ص 254.