نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (7)

ولما كان التقدير : فكان ما أردناه ، وطاح ما أراد غيرنا ، فأولدنا من بني إسرائيل الولد الذي كان يحذره فرعون على ملكه ، وكان يذبح أبناء بني إسرائيل لأجله ، وقضينا بأن يسمى موسى ، بسبب أنه يوجد بين ماء وشجر ، ونربيه في بيت الذي يحذره ويحتاط لأجله ، عطف على هذا المعلوم التقدير أول نعمة منّ بها على الذين استضعفوا فقال : { وأوحينا } أي أوصلنا بعظمتنا بطريق خفي ، الله أعلم به هل هو ملك أو غيره ، إذ لا بدع في تكليم الملائكة الولي من غير نبوة { إلى أم موسى } أي الذي أمضينا في قضائنا أنه يسمى بهذا الاسم ، وأن يكون هلاك فرعون وزوال ملكه على يده ، بعد أن ولدته وخافت أن يذبحه الذباحون { أن أرضعيه } ما كنت آمنة عليه ، وحقق لها طلبهم لذبحه بقوله : { فإذا خفت عليه } أي منهم أن يصيح فيسمع فيذبح { فألقيه } أي بعد أن تضعيه في شيء يحفظه من الماء { في اليم } أي النيل ، واتركي رضاعه ، وعرفه وسماه يماً - واليم : البحر - لعظمته على غيره من الأنهار بكبره وكونه من الجنة ، وما يحصل به من المنافع ، وعدل عن لفظ البحر إلى اليم لأن القصد فيه أظهر من السعة ؛ قال الرازي في اللوامع : وهذا إشارة إلى الثقة بالله ، والثقة سواد عين التوكل ، ونقطة دائرة التفويض ، وسويداء قلب التسليم ، ولها درجات : الأولى درجة الأياس ، وهو أياس العبد من مقاواة الأحكام ، ليقعد عن منازعة الإقسام ، فيتخلص من صحة الإقدام ؛ والثانية درجة الأمن ، وهو أمن العبد من فوت المقدور ، وانتقاص المسطور ، فيظفر بروح الرضى وإلا فبعين اليقين ، وإلا فبلطف الصبر ؛ والثالثة معاينة أولية الحق جل جلاله ، ليتخلص من محن المقصود ، وتكاليف الحمايات ، والتعريج على مدارج الوسائل .

( ولا تخافي } أي لا يتجدد لك خوف أصلاً من أن يغرق أو يموت من ترك الرضاع وإن طال المدى أو يوصل إلى أذاه { ولا تحزني } أي ولا يوجد لك حزن لوقوع فراقه .

ولما كان الخوف عما يلحق المتوقع ، والحزن عما يلحق الواقع ، علل نهيه عن الأمرين ، بقوله في جملة اسمية دالة على الثبات والدوام ، مؤكدة لاستبعاد مضمونها : { إنا رادوه إليك } فأزال مقتضى الخوف والحزن ؛ ثم زادها بشرى لا تقوم لها بشرى بقوله : { وجاعلوه من المرسلين* } أي الذين هم خلاصة المخلوقين ، والآية من الاحتباك ، ذكر الإرضاع أولاً دليلاً على تركه ثانياَ ، والخوف ثانياً دليلاً على الأمن أولاً ، وسره أنه ذكر المحبوب لها تقوية لقلبها وتسكيناً لرعبها .