التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

نهي للرسول عن أن يحزن من فعل قوم يحرصون على الكفر أي على أعماله ومعنى { يسارعون في الكفر } يتوغّلون فيه ويَعجَلون إلى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص ، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس ، فعبّر عن هذا المعنى بقوله : { يسارعون } ، فقيل : ذلك من التضمين ضمّن يسارعون معنى يقعون ، فعدّي بفي ، وهي طريقة « الكشاف » وشروحه ، وعندي أنّ هذا استعارة تمثيلية : شبّه حال حرصهم وجدّهم في تفكير الناس وإدخال الشكّ على المؤمنين وتربّصهم الدوائر وانتهازهم الفرص بحال الطالب المسارع الى تحصيل شيء يخشى أن يَفوته وهو متوغّل فيه متلبس به ، فلذلك عدّي بفي الدالة على سرعتهم سرعة طالب التمكين ، لا طالب الحصول ، إذ هو حاصل عندهم ولو عدّي بإلى لفهم منه أنّهم لم يكفروا عند المسارعة . قيل : هؤلاء هم المنافقون ، وقيل : قوم أسلموا ثم خافوا من المشركين فارتدّوا .

وجملة { إنهم لن يضروا الله شيئاً } تعليل للنهي عن أن يحزنه تسارعهم الى الكفر بعلّة يوقن بها الرسول عليه الصلاة والسلام . وموقع إنّ في مثل هذا المقام إفادة التعليل ، وإنّ تُغني غناء فاء التسبّب ، كما تقدّم غير مرّة .

ونفي { لن يضروا الله } مراد به نفي أن يعطّلوا ما أراده إذ قد كان الله وعد الرسول إظهار دينه على الدّين كلّه ، وكان سعي المنافقين في تعطيل ذلك ، نهي الله رسوله أن يحزن لما يبدو له من اشتداد المنافقين في معاكسة الدعوة ، وبيّن له أنّهم لن يستطيعوا إبطال مراد الله ، تذكيراً له بأنه وعده بأنّه متمّ نوره .

ووجه الحاجة الى هذا النهي : هو أنّ نفس الرسول ، وإن بلغت مرتقى الكمال ، لا تعدو أن تعتريها في بعض أوقات الشدّة أحوال النفوس البشرية : من تأثير مظاهر الأسباب ، وتوقّع حصول المسبّبات العادية عندها ، كما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر . وهو في العريش ، وإذا انتفى إضرارهم الله انتفى إضرارهم المؤمنين فيما وعدهم الله . وقرأ الجمهور : يَحْزُنك بفتح الياء وضمّ الزاي من حَزَنَه إذا أدخل عليه الحزن ، وقرأه نَافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه .

وجملة { يريد الله } استئناف لبيان جزائهم على كفرهم في الآخرة ، بعد أن بيّن السلامة من كيدهم في الدنيا والمعنى : أنّ الله خذلهم وسلبهم التوفيق فكانوا مسارعين في الكفر لأنّه أراد أن لا يكون لهم حظّ في الآخرة . والحظّ : النصيب من شيء نافع .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

قوله تعالى : " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدوا خوفا من المشركين ، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " . وقال الكلبّي : يعني به المنافقين ورؤساء اليهود ، كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزلت . ويقال : إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب ، فلو كان قوله حقا لاتبعوه ، فنزلت " ولا يحزنك " . قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلا في - الأنبياء - " لا يحزنهم الفزع الأكبر " {[3720]} فإنه بفتح الياء وبضم الزاي . وضده أبو جعفر . وقرأ ابن محيصن كلها بضم الياء وكسر{[3721]} الزاي . والباقون كلها بفتح الياء وضم الزاي . وهما لغتان : حزنني الأمر يحزنني ، وأحزنني أيضا وهي لغة{[3722]} قليلة ، والأولى أفصح اللغتين ، قاله النحاس . وقال الشاعر في أحزن :

مضى صحبي وأحزنني الدِّيَار

وقراءة العامة " يسارعون " . وقرأ طلحة " يسرعون في الكفر " . قال الضحاك : هم كفار قريش . وقال غيره : هم المنافقون . وقيل : هو ما ذكرناه قبل . وقيل : هو عام في جميع الكفار . ومسارعتهم في الكفر المظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم . قال القشيري : والحزن على كفر الكافر طاعة ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرط في الحزن على كفر قومه ، فنهي عن ذلك ، كما قال : " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " {[3723]} [ فاطر : 8 ] وقال : " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " {[3724]} [ الكهف : 6 ] .

قوله تعالى : " إنهم لن يضروا الله شيئا " أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا ، يعني لا ينقص بكفرهم . وكما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا . يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم . يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم . يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) . خرجه مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما ، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله . وقيل : معنى " لن يضروا الله شيئا " أي لن يضروا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عز وجل ناصرهم .

قوله تعالى : " يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم " أي نصيبا .

والحظ النصيب والجد . يقال : فلان أحظ من فلان ، وهو محظوظ . وجمع الحظ أحاظ على غير قياس{[3725]} . قال أبو زيد : يقال رجل حظيظ ، أي جديد إذا كان ذا حظ من الرزق . وحظظت في الأمر أحظ . وربما جمع الحظ أُحُظًّا . أي لا يجعل لهم نصيبا في الجنة . وهو نص في أن الخير والشر بإرادة الله تعالى .


[3720]:- راجع جـ11 ص 346.
[3721]:- الأصول كلها: بضم الياء والزاي. والصواب ما أثبتناه. راجع ص 346 جـ11.
[3722]:- عن ط.
[3723]:- راجع جـ 14 ص 324.
[3724]:- راجع جـ 10 ص 353
[3725]:- قال الجوهري: كأنه جمع أحظ. قال ابن بري: وقوله "أحاظ على غير قياس" وهم منه، بل أحاظ جمع أحظ، وأصله أحظظ فقلبت الظاء الثانية ياء فصارت أحظ، ثم جمعت على أحاظ. (عن اللسان).