عطف { وإذْ أخذ الله } على { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة } [ آل عمران : 80 ] أي ما أمركم الأنبياء بشيء مما تقوّلتم عليهم وقد أمروكم بغير ذلك فأضعتموه حين أخذ الله ميثاقهم لِيُبَلِّغوه إليكم ، فالمعطوف هو ظرف ( إذْ ) وما تعلق به .
ويجوز أن يتعلق ( إذ ) بقوله : { أأقررتم } مقدماً عليه . ويصح أن تجعل ( إذ ) بمعنى زمان غير ظرف والتقدير : واذْكر إذْ أخذ الله ميثاق النبيين ، فالمقصود الحكاية عن ذلك الزمان وما معه فيكون { قال أقررتم } معطوفاً بحذف العاطف . كما هو الشأن في جمل المحاورة وكذلك قوله : { قالوا أقررنا } .
ويصح أن تكون جملة { قال أأقررتم } وما بعدها بياناً لجملة { أخذ اللَّه ميثاق النبيين } باعتبار ما يقتضيه فعل أخذ الله ميثاقَ النبيين : من أنّ النبيين أعْطَوْا ميثاقاً لله فقال : أأقررتم قالوا : أقررنا إلخ . ويكون قوله : { لما آتيناكم } إلى قوله { ولتنصرنه } هو صيغة الميثاق .
وهذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء ، يؤذنهم فيه بأنّ رسولاً يجيء مصدّقاً لما معهم ، ويأمُرُهم بالإيمان به وبنصره ، والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال ، بدليل قوله : { فمن تولّى بعد ذلك } إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق ولكنّ المقصود أممهم كقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } . وبدليل قوله قال : { فاشهدوا } أي على أممكم . وإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم عليه السلام : { ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم } [ البقرة : 129 ] ، وقد جاء في سفر التثنية قول موسى عليه السلام : « قال لي الربّ أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مثلَك وأجْعَلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكلّ ما أوصيه به » . وإخوَةُ بني إسرائيل هم بنو إسماعيل ، ولو كان المراد نبيئاً إسرائيلياً لقال أقيم لهم نبيئاً منهم على ما في ترجمة التوراة من غموض ولعلّ النص الأصلي أصرح من هذا المترجم .
والبشارات في كتب أنبياء بني إسرائيل وفي الأناجيل كثيرة ففي متى قول المسيح « وتقوم أنبياء كذَبة كثيرون ويضلون كثيرين ولكنّ الذي يصبر أي يبقى أخيراً إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يَأتي المنتهَى » وفي إنجيل يوحنا قول المسيح « وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزِّياً آخر ليَمكث معكم إلى الأبد وأما المُعَزِّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلتُه لكم ومتى جاء المعزِّي روحُ الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي » إلى غير ذلك .
وفي أخذ العهد على الأنبياء زيادة تنويه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى هو ظاهر الآية ، وبه فسر محققو المفسرين من السلف والخلف منهم علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وطاووس ، والسدي .
ومن العلماء من استبعد أن يكون أخذ العهد على الأنبياء حقيقة نظراً إلى قوله : { فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } ( توهموه متعيناً لأن يكون المراد بمن تولّى من النبيين المخاطبين ، وستعلم أنه ليس كذلك ) فتأوّلوا الآية بأنّ المراد أخذ العهد على أممهم ، وسلكوا مسالك مختلفة من التأويل فمنهم من جعل إضافة الميثاق للنبيين إضافة تشبه إضافة المصدر إلى فاعله أي أخذ الله على الأمم ميثاق أنبيائهم منهم . ومنهم من قدَّر حذف المضاف أي أمم النبيئين أو أولاد النبيئين وإليه مال قول مجاهد والربيع ، واحتجوا بقراءة أبي ، وابن مسعود ، هذه الآية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيناكم من كتاب ، ولم يقرأ ميثاق النبيئين ، وزاد مجاهد فقال : إن قراءة أبي هي القرآن ، وإنّ لفظ النبيئين غلط من الكتَّاب ، وردّه ابن عطية وغيره بإجماع الصحابة والأمة على مصحف عثمان .
وقوله : { لما آتيناكم } قرأ الجمهور « لَمَا » بفتح اللام وتخفيف الميم فاللام موطئة للقسم ، لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين وما موصوله مبتدأ { وآتيناكم } صلته وحذف العائد المنصوب جرى على الغالب في مثله ومِن كتاب بيان للموصول وصلتِه ، وعُطف { ثم جاءكم } على { آتيْناكم } أي الذي آتيناكموه وجاءكم بعده رسول . و{ لتؤمننّ } اللام فيه لام جواب القسم والجواب سدّ مسد خبر المبتدأ كما هو المعروف وضمير به عائد على المذكور أي لتؤمنّن بما آتيناكم وبالرسول ، أو هو عائد على الرسول وحذف ما يعود على ما آتيناكم لظهوره .
وقرأه حمزة : بكسر لام لما فتكون اللام للتعليل متعلق بقوله : { لتؤمننّ به } أي شكراً على ما آتيتُكم وعلى أن بعثت إليكم رسولاً مصدّقاً لما كنتم عليه من الدين ولا يضرّ عمل مَا بعد لام القسم فيما قبلها فأخْذ الميثاق عليهم مطلقاً ثم علّل جواب القسم بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق ، ولا يصح من جهة المعنى تعليق { لما آتيتكم } بفعل القسم المحذوف ، لأنّ الشكر علة للجواب ، لا لأخْذ العهد .
ولام { لتؤمِننّ } لام جواب القسم ، على الوجه الأول ، وموطئة للقسم على الوجه الثاني .
وقرأ نافع ، وأبو جعفر : آتيناكم بنون العظمة وقرأه الباقون { آتيتكم } بتاء المتكلم .
وجملة قال : { أأقررتم } بدل اشتمال من جملة { أخذ الله ميثاق النبيين } .
والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق .
والإصر : بكسر الهمزة ، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به ، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً } في سورة [ البقرة : 286 ] .
وقوله : { فاشهدوا } إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله : { وأنا معكم من الشاهدين } كقوله : { شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو } [ آل عمران : 18 ] وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك ، والله شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم .
قيل : أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا ويأمر بعضهم بالإيمان بعضا ، فذلك معنى النصرة بالتصديق . وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة وطاوس والسدي والحسن ، وهو ظاهر الآية . قال طاوس : أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر . وقرأ ابن مسعود
" وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " [ آل عمران : 187 ] . قال الكسائي : يجوز أن يكون " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين " بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين . وقال البصريون : إذا أخذ الله ميثاق النبيين فقد أخذ ميثاق الذين معهم ؛ لأنهم قد اتبعوهم وصدقوهم . و " ما " في قوله " لما " بمعنى الذي . قال سيبويه : سألت الخليل بن أحمد عن قوله عز وجل : " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة " فقال : لما بمعنى الذي . قال النحاس : التقدير على قول الخليل للذي آتيتكموه ، ثم حذف الهاء لطول الاسم . و " الذي " رفع بالابتداء وخبره " من كتاب وحكمة " . و " من " لبيان الجنس . وهذا كقول القائل : لزيد أفضل منك ؛ وهو قول الأخفش أنها لام الابتداء . قال المهدوي : وقوله " ثم جاءكم " وما بعده جملة معطوفة على الصلة ، والعائد منها على الموصول محذوف ، والتقدير ثم جاءكم رسول مصدق به .
قوله تعالى : " ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه " الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم في قول علي وابن عباس رضي الله عنهما . واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين ، كقوله تعالى : " وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة " إلى قوله : " ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه " {[3188]} [ النحل : 112 - 113 ] فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه إن أدركوه ، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم . واللام من قوله " لتؤمنن به " جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق ؛ إذ هو بمنزلة الاستحلاف . وهو كما تقول في الكلام : أخذت ميثاقك لتفعلن كذا ، كأنك قلت استحلفك ، وفصل بين القسم وجوابه بحرف الجر الذي هو " لما " في قراءة ابن كثير على ما يأتي . ومن فتحها جعلها متلقية للقسم الذي هو أخذ الميثاق . واللام في " لتؤمنن به " جواب قسم محذوف ، أي والله لتؤمنن به . وقال المبرد والكسائي والزجاج : " ما " شرط دخلت عليها لام التحقيق كما تدخل على إن ، ومعناه لمهما{[3189]} آتيتكم ، فموضع " ما " نصب ، وموضع " آتيتكم " جزم ، و " ثم جاءكم " معطوف عليه ، " لتؤمنن به " اللام في قوله " لتؤمنن به " جواب الجزاء ، كقوله تعالى : " ولئن شئنا لنذهبن " {[3190]} [ الإسراء : 86 ] ونحوه . وقال الكسائي : لتؤمنن به معتمد القسم فهو متصل بالكلام الأول ، وجواب الجزاء قوله " فمن تولى بعد ذلك " [ آل عمران : 82 ] . ولا يحتاج على هذا الوجه إلى تقدير عائد . وقرأ أهل الكوفة " لما آتيتكم " بكسر اللام ، وهي أيضا بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ ، أي أخذ الله ميثاقهم لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به من بعد الميثاق ؛ لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدم . قال النحاس : ولأبي عبيدة في هذا قول حسن . قال : المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمنن به لما آتيتكم من ذكر التوراة . وقيل : في الكلام حذف ، والمعنى إذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة ، ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا . ودل على هذا الحذف " وأخذتم على ذلكم إصري " . وقيل : إن اللام في قوله " لما " في قراءة من كسرها بمعنى بعد ، يعني بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة ، كما قال النابغة :
توهمتُ آيات لها فعرفتُها *** لستة أعوام وذا العامُ سابعُ
أي بعد ستة أعوام . وقرأ سعيد بن جبير " لما " بالتشديد ، ومعناه حين آتيتكم . واحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت " من " على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ما ، وقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن استخفافا . وقرأ أهل المدينة " آتيناكم " على التعظيم . والباقون " آتيتكم " على لفظ الواحد . ثم كل الأنبياء لم يؤتوا الكتاب وإنما أوتي البعض ، ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب . والمراد أخذ ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب لأنه أوتي الحكم والنبوة . وأيضا من لم يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من قبله فدخل تحت صفة من أوتي الكتاب .
قوله تعالى : " قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا " " أقررتم " من الإقرار ، والإصر والأَصر لغتان ، وهو العهد . والإصر في اللغة الثقل ، فسمي العهد إصرا ؛ لأنه منع وتشديد . " قال فاشهدوا " أي اعلموا ، عن ابن عباس . الزجاج : بينوا لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي . وقيل : المعنى اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم . " وأنا معكم من الشاهدين " عليكم وعليهم . وقال سعيد بن المسيب : قال الله عز وجل للملائكة فاشهدوا عليهم ، فتكون كناية عن غير مذكور .