{ الشمس } يجوز أن يكون معطوفاً على { اللَّيْلُ } من قوله : { وءايَةٌ لهم اللَّيْلُ } [ يس : 37 ] عطفَ مفرد على مفرد ويقدر له خبر مماثل لخبر الليل ، والتقدير : والشمس آية لهم ، وتكون جملة { تَجْرِي } حالاً من { الشمس } مثل جملة { نَسْلَخُ منه النَّهَارَ } [ يس : 37 ] .
ويجوز أن يكون عطفَ جملة على جملة ويكون قوله : { تَجْرِي } خبراً عن { الشمس } . وأيَّاما كان فهو تفصيل لإِجمال جملة { وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار } [ يس : 37 ] الخ كما دل عليه قوله الآتي : { ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ } [ يس : 40 ] ، وكان مقتضى الظاهر من كونه تفصيلاً أن لا يعطف فيقال : الشمسُ تجري لمستقر لها ، فخولف مقتضى الظاهر لأن في هذا التفصيل آيةً خاصة وهي آية سير الشمس والقمر .
وقدم التنبيه على آية الليل والنهار لما ذكرناه هنالك ؛ فكانت آية الشمس المذكورة هنا مراداً بها دليل آخر على عظيم صنع الله تعالى وهو نظام الفصول .
وجملة { تَجْرِي لِمُسْتقر لها } يحتمل الوجوه التي ذكرناها في جملة { أحييناها } [ يس : 33 ] من كونها حالاً أو بياناً لجملة { وءَايَةٌ لهُم } [ يس : 37 ] أو بدل اشتمال من { وءَايَةٌ } .
والجري حقيقته : السير السريع وهو لذوات الأرْجل ، وأطلق مجازاً على تنقل الجسم من مكان إلى مكان تنقلاً سريعاً بالنسبة لتنقل أمثال ذلك الجسم ، وغلب هذا الإِطلاق فساوى الحقيقة وأريد به السير في مسافات متباعدة جِدَّ التباعد فتقطعها في مدة قصيرة بالنسبة لتباعد الأرض حول الشمس . وهذا استدلال بآثار ذلك السير المعروفةِ للناس معرفةً إجمالية بما يحسبون من الوقت وامتداد الليل والنهار وهي المعرفة لأهل المعرفة بمراقبة أحوالها من خاصة الناس وهم الذين يرقبون منازل تنقلها المسماة بالبروج الاثني عشر ، والمعروفةِ لأهل العلم بالهيئة تفصيلاً واستدلالاً وكل هؤلاء مخاطبون بالاعتبار بما بلغه علمهم .
والمستقر : مكان الاستقرار ، أي القرار أو زمانه ، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل : استجاب بمعنى أجاب . واللام في لِمُستَقَرٍ } يجوز أن تكون لام التعليل على ظاهرها ، أي تجري لأجل أن تستقر ، أي لأجل أن ينتهي جريها كما ينتهي سير المسافر إذا بلغ إلى مكانه فاستقر فيه ، وهو متعلق ب { تجري } على أنه نهاية له لأن سير الشمس لما كانت نهايته انقطاعَه نُزّل الانقطاع عنه منزلة العلة كما يقال : « لِدُوا للموت وابنوا للخراب » .
وتنزيل النهاية منزلة العلة مستعمل في الكلام ، ومنه قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } [ القصص : 8 ] . والمعنى : أنها تسير سيراً دائباً مشاهداً إلى أن تبلغ الاحتجاب عن الأنظار .
ويجوز أن تكون اللام بمعنى ( إلى ) ، أي تجري إلى مكان استقرارها وهو مكان الغروب ، شبه غروبها عن الأبصار بالمستقَر والمأوَى الذي يأوي إليه المرء في آخر النهار بعد الأعمال . وقد ورد تقريب ذلك في حديث أبي ذر الهروي في صحيحي « البخاري » و« مسلم » و« جامع الترمذي » بروايات مختلفة حاصل ترتيبها أنه قال : " كنتُ مع رسول الله في المسجد عند غروب الشمس فسألته ( أو فقال ) : إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرَّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها : ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فذلك مستقرّ لها ومستقرها تحت العرش فذلك قوله تعالى : { والشمس تجري لمستقر لها } " وهذا تمثيل وتقريب لسير الشمس اليومي الذي يبتدىء بشروقها على بعض الكرة الأرضية وينتهي بغروبها على بعض الكرة الأرضية ، في خطوط دقيقة ، وبتكرر طلوعها وغروبها تتكون السنة الشمسية .
وقد جعل الموضع الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معيّن لا قبل للناس بمعرفته ، وهو منتهى مسافة سيرها اليومي ، وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها ، أي حين ينقطع سير الأرض حول شعاعها لأن حركة الأجرام التابعة لنظامها تنقطع تبعاً لانقطاع حركتها هي وذلك نهاية بقاء هذا العالم الدنيوي .
واللام في قوله { لها } لام الاختصاص وهو صفة { لِمُسْتَقَر } . وعُدل عن إضافة مستقر لضمير الشمس المغنية عن إظهار اللام إلى الإِتيان باللام ليتأتى تنكير « مستقر » تنكيراً مشعراً بتعظيم ذلك المستقر .
وكلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا تمثيل لحال الغروب والشروق اليوميين . وجعل سجود الشمس تمثيلاً لتسخرها لتسخير الله إياها كما جعل القول تمثيلاً له في آية { فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين } [ فصلت : 11 ] .
واعلم أن قوله : { لِمُستقر لها } إدماج للتعليم في التذكير وليس من آية الشمس للناس لأن الناس لا يشعرون به فهو كقوله تعالى : { ليقضى أجل مسمى } [ الأنعام : 60 ] عقب الامتنان بقوله : { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم } [ الأنعام : 60 ] .
والإشارة ب { ذلك تقديرُ العَزِيزِ العلِيمِ } إلى المذكور : إما من قوله : { والشَّمْسُ تَجْرِي } أي ذلك الجري ، وإما منه ومن قوله : { وءايَة لهم اللَّيْلُ } [ يس : 37 ] أي ذلك المذكور من تعاقب الليل والنهار .
وذكر صفتي { العَزِيزِ العَلِيمِ } لمناسبة معناهما للتعلق بنظام سير الكواكب ، فالعزة تناسب تسخير هذا الكوكب العظيم ، والعلم يناسب النظام البديع الدقيق ، وتقدم تفصيله عند قوله تعالى : { تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } في سورة الفرقان } ( 61 ) .
قوله تعالى : { والشمس تجري لمستقر لها } يجوز أن يكون تقديره وآية لهم الشمس . ويجوز أن يكون { الشمس } مرفوعا بإضمار فعل يفسره الثاني . ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء { تجري } في موضع الخبر أي جارية . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل : { والشمس تجري لمستقر لها } قال : ( مستقرها تحت العرش ) . وفيه عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما :
( أتدرون أين تذهب هذه الشمس ) ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال : ( إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها : ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون متى ذلكم ؟ ذاك حين { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } [ الأنعام :158 ] ) . ولفظ البخاري عن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس : ( تدري أين تذهب ) قلت الله ورسوله أعلم ، قال : ( فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها : ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ، فذلك قوله تعالى : { والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } ) . ولفظ الترمذي عن أبي ذر قال : دخلت المسجد حين غابت الشمس والنبي صلى الله عليه وسلم جالس . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه ) قال قلت : الله ورسوله أعلم . قال : ( فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ) قال : ثم قرأ " ذلك{[13211]} مستقر لها " قال :وذلك قراءة عبد الله . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وقال عكرمة : إن الشمس إذا غربت دخلت محرابا تحت العرش تسبح الله حتى تصبح ، فإذا أصبحت استعفت ربها من الخروج فيقول لها الرب : ولم ذاك ؟ قالت : إني إذا خرجت عبدت من دونك . فيقول الرب تبارك وتعالى : أخرجي فليس عليك من ذاك شيء ، سأبعث إليهم جهنم مع سبعين ألف ملك يقودونها حتى يدخلوهم فيها .
وقال الكلبي وغيره : المعنى تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ، ثم ترجع إلى أدنى منازلها ، فمستقرها بلوغها الموضع الذي لا تتجاوزه بل ترجع منه ؛ كالإنسان يقطع مسافة حتى يبلغ أقصى مقصوده فيقضي وطره ، ثم يرجع إلى منزله الأول الذي ابتدأ منه سفره . وعلى تبليغ الشمس أقصى منازلها ، وهو مستقرها إذا طلعت الهنعة ، وذلك اليوم أطول الأيام في السنة ، وتلك الليلة أقصر الليالي ، فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ، ثم يأخذ في النقصان وترجع الشمس ، فإذا طلعت الثريا استوى الليل والنهار ، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة ، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النعائم ، وذلك اليوم أقصر الأيام ، والليل خمس عشرة ساعة ، حتى إذا طلع فرس الدلو المؤخر استوى الليل والنهار ، فيأخذ الليل من النهار كل يوم عشر ثلث ساعة ، وكل عشرة أيام ثلث ساعة ، وكل شهر ساعة تامة ، حتى يستويا ويأخذ الليل حتى يبلغ خمس عشرة ساعة ، ويأخذ النهار من الليل كذلك . وقال الحسن : إن للشمس في السنة ثلاثمائة وستين مطلعا ، تنزل في كل يوم مطلعا ، ثم لا تنزله إلى الحول ، فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرها . وهو معنى الذي قبله سواء . وقال ابن عباس : إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت تحت العرش إلى أن تطلع .
قلت : ما قاله ابن عباس يجمع الأقوال فتأمله . وقيل : إلى انتهاء أمدها عند انقضاء الدنيا ، وقرأ ابن مسعود وابن عباس { والشمس تجري لا مستقر لها } أي : إنها تجري في الليل والنهار لا وقوف لها ولا قرار ، إلى أن يكورها الله يوم القيامة . وقد احتج من خالف المصحف فقال : أنا أقرأ بقراءة ابن مسعود وابن عباس . قال أبو بكر الأنباري : وهذا باطل مردود على من نقله ؛ لأن أبا عمرو روى عن مجاهد عن ابن عباس وابن كثير روى عن مجاهد عن ابن عباس { والشمس تجري لمستقر لها } فهذان السندان عن ابن عباس اللذان يشهد بصحتهما الإجماع - يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف مذهب الجماعة ، وما اتفقت عليه الأمة .
قلت : والأحاديث الثابتة التي ذكرناها ترد قوله ، فما أجرأه على كتاب الله ، قاتله الله . وقوله : { لمستقر لها } أي : إلى مستقرها ، والمستقر موضع القرار . { ذلك تقدير } أي : الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس تقدير { العزيز العليم } .