بعد قوله تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به } [ المائدة : 7 ] أعيد تذكيرهم بنعمة أخرى عظيمة على جميعهم إذ كانت فيها سلامتهم ، تلك هي نعمة إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم لأنّها نعمة يحصل بها ما يحصل من النصر دون تجشّم مشاقّ الحرب ومتالفها . وافتتاح الاستئناف بالنّداء ليحصل إقبال السامعين على سماعه . ولفظ : { يا أيها الذين آمنوا } وما معه من ضمائر الجمع يؤذن بأنّ الحادثة تتعلّق بجماعة المؤمنين كلّهم . وقد أجمل النعمة ثُمّ بيّنها بقوله : { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } .
وقد ذكر المفسّرون احتمالات في تعيين القوم المذكورين في هذه الآية . والّذي يبدو لي أنّ المراد قوم يعرفهم المسلمون يومئذٍ ؛ فيتعيّن أن تكون إشارة إلى وقعة مشهورة أو قريبة من تاريخ نزول هذه السورة . ولم أر فيما ذكروه ما تطمئنّ له النّفس . والّذي أحسب أنّها تذكير بيوم الأحْزاب ؛ لأنّها تشبه قوله : { يأيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها } [ الأحزاب : 9 ] الآية .
ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما كان من عزم أهل مكّة على الغدْر بالمسلمين حين نزول المسلمين بالحديبية عام صلح الحديبية ثُمّ عدلوا عن ذلك . وقد أشارت إليها الآية : { وهو الّذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكّة } [ الفتح : 24 ] الآية . ويجوز أن تكون الإشارة إلى عزم أهل خيبر وأنصارهم من غطفان وبني أسد على قتال المسلمين حين حصار خيبر ، ثم رجعوا عن عزمهم وألقَوا بأيديهم ، وهي الّتي أشارت إليها آية : { وَعَدَكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجّل لكم هذه وكفّ أيديَ النّاس عنكم } [ الفتح : 20 ] . وعن قتادة : سبب الآية ما همَّت به بنو محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر فأشعر الله رسولَه بذلك ، ونزلت صلاةُ الخوف ، وكفّ الله أيديهم عن المؤمنين .
وأمّا ما يذكر من غير هذا ممّا همّ به بنو النضِير من قتل النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءهم يستعينهم على دية العامريَّيْنِ فتآمروا على أن يقتلوه ، فأوحى الله إليه بذلك فخرج هو وأصحابه . وكذا ما يذكر من أنّ المراد قصّة الأعرابي الّذي اخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائل في مُنصرفه من إحدى غزواته ، فذلك لا يناسب خطاب الّذين آمنوا ، ولا يناسب قصّة الأعرابي لأنّ الّذي أهمّ بالقتل واحد لا قوم .
وبسط اليد مجاز في البطش قال تعالى : { ويبسطوا إليكم أيديَهم وألسنتهم بالسوء } [ الممتحنة : 2 ] ويطلق على السلطة مجازاً أيضاً ، كقولهم : يجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر على كلّ من بُسطت يدُه في الأرض ؛ وعلى الجُود ، كما في قوله تعالى : { بل يَداه مبسوطتان } [ المائدة : 64 ] . وهو حقيقة في محاولة الإمساك بشيء ، كما في قوله تعالى حكاية عن ابن آدم { لَئِن بسطتَ إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يديَ إليك لأقتلك } [ المائدة : 28 ] .
وأمّا كفّ اليد فهو مجَاز عن الإعراض عن السوء خاصّة { وكفّ أيديَ النّاس عنكم } [ الفتح : 20 ] . والأمر بالتقوى عقب ذلك لأنّها أظهر للشكر ، فعطف الأمر بالتَّقوى بالواو للدلالة على أنّ التّقوى مقصودة لذاتها ، وأنّها شكر لله بدلالة وقوع الأمر عقب التذكير بنعمة عظمى .
وقوله : { وعلى الله فليتوكّل المؤمنون } أمر لهم بالاعتماد على الله دون غيره . وذلك التّوكل يعتمد امتثال الأوامر واجتناب المنهيات فناسب التّقوى . وكان من مظاهره تلك النّعمة الّتي ذُكّروا بها .
قال جماعة : نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع حين اخترط{[5411]} سيف النبي صلى الله عليه وسلم وقال : من يعصمك مني يا محمد ؟ كما تقدم في " النساء " {[5412]} . وفي البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه{[5413]} . وذكر الواقدي وابن أبي حاتم أنه أسلم . وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات . وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث ( بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها راء وثاء مثلثة ) وقد ضم بعضهم الغين ، والأول أصح . وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ، وأبو عبدالله محمد بن عمر الواقدي أن اسمه دعثور بن الحارث ، وذكر أنه أسلم كما تقدم . وذكر{[5414]} محمد بن إسحاق أن اسمه عمرو بن جحاش وهو أخو بني النضير . وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جحاش في غير هذه القصة . والله أعلم . وقال قتادة ومجاهد وغيرهما : نزلت في قوم من اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهموا بقتله صلى الله عليه وسلم الله منهم . قال القشيري : وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادكار ما سبق . " أن يبسطوا إليكم أيديهم " أي بالسوء . " فكف أيديهم عنكم " أي منعهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.