عطف على قوله : { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } [ الأنعام : 138 ] . وأعيد فعل : { قالوا } لاختلاف غرض المقول .
والإشارة إلى أنعام معروفة بينهم بصفاتها ، كما تقدّم ، أو إلى الأنعام المذكورة قبل . ولا يتعلّق غرض في هذه الآية بأكثر من إجمال الأشياء الّتي حرموها لأنّ المقصود التّعجيب من فساد شرعهم كما تقدّم آنفاً ، وهذا خبر عن دينهم في أجنّة الأنعام التي حجروها أو حرّموا ظهورها ، فكانوا يقولون في أجنّة البحيرة والسّائبة : إذا خرجت أحياء يحلّ أكلها للذكور دون النّساء ، وإذا خرجت ميّتة حلّ أكلها للذّكور والنّساء ، فالمراد بما في البطون الأجنة لا محالة لقوله : { وإن يكن ميتة } وقد كانوا يقولون في ألبان البحيرة والسّائبة : يشربها الرّجال دون النّساء ، فظنّ بعض المفسّرين أنّ المراد بما في بطون الأنعام ألبانها ، وروي عن ابن عَبّاس ، ولا ينبغي أن يكون هو معنى الآية ولكن محمل كلام ابن عبّاس أنّ ما في البطون يشمل الألبان لأنَّها تابعة للأجنّة وناشئة عن ولادتها .
والخالصة : السّائغة ، أي المباحة ، أي لا شائبةَ حَرج فيها ، أي في أكلها ، ويقابله قوله : { ومحرم } .
وتأنيث { خالصة } لأنّ المراد بمَا الموصولة { الأجِنَّة } فروعي معنى ( ما ) وروعي لفظ ( ما ) في تذكير { محرّم } .
والمحرّم : الممنوع ، أي ممنوع أكله ، فإسناد الخلوص والتّحريم إلى الذّوات بتأويل تحريم ما تقصد له وهو الأكل أو هو والشرب بدلالة الاقتضاء .
والأزواج جمع زوج ، وهو وصف للشّيء الثّاني لغيره ، فكلّ واحد من شيئين اثنين هو زوج ، ولذلك سمّي حليل المرأة زوجاً وسمّيت المرأة حليلةُ الرّجل زوجاً ، وهو وصف يلازم حالة واحدة فلا يُؤنث ولا يثنّى ولا يجمع . وقد تقدّم عند قوله تعالى : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة } في سورة البقرة ( 35 ) .
وظاهر الآية أن المراد أنّه محرّم على النساء المتزوّجات لأنّهم سمّوهنّ أزواجاً ، وأضافوهنّ إلى ضميرهم ، فتعيّن أنَّهن النّساء المتزوّجات بهم كما يقال : امرأة فلان . وإذا حملناه على الظاهر وهو الأوْلى عندي كان ذلك دالاً على أنّهم كانوا يتشاءمون بأكل الزّوجات لشيء ذي صفة كانوا يكرهون أن تصيب نساءَهم : مثللِ العقم ، أو سوءِ المعاشرة مع الأزواج ، والنّشوز ، أو الفراق ، أو غير ذلك من أوهام أهل الجاهليّة وتكاذيبهم ، أو لأنّه نَتاج أنعام مقدّسة ، فلا تحلّ للنّساء ، لأنّ المرأة مرموقة عند القدماء قبل الإسلام بالنّجاسة والخباثة ، لأجل الحيض ونحو ذلك ، فقد كانت بنو إسرائيل يمنعون النّساء دخول المساجد ، وكان العرب لا يؤاكلون الحائض ، وقالت كبشة بنت معديكرب تعيّر قومها :
ولا تَشرَبُوا إلاّ فُضُولَ نسائكم *** إذا ارتَمَلَتْ أعقابُهن منَ الدّم
وقال جمهور المفسّرين : أطلق الأزواج على النّساء مطلقاً ، أي فهو مجاز مرسل بعلاقة الإطلاق والتّقييد ، فيشمل المرأة الأيّم ولا يشمل البناتِ ، وقال بعضهم : أريد به البنات أي بمجاز الأوْل فلعلّهم كانوا يتشاءمون بأكل البنات منه أن يصيبهن عسر التّزوّج ، أو ما يتعيَّرون منه ، أو نحو ذلك .
وكانت الأحوال الشّائعة بينهم دالّة على المراد .
وأمّا قوله : { وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء } أي إنْ يولدْ ما في بطون الأنعام ميّتا جاز أكله للرّجال والأزواج ، أو للرّجال والنّساء ، أو للرّجال والنّساء والبنات ، وذلك لأنّ خروجه ميّتا يبطل ما فيه من الشّؤم على المرأة ، أو يذهب قداسته أو نحو ذلك .
وقرأ الجمهور : { وإن يكن } بالتحتيّة ونصب { ميتة } . وقرأ ابنُ كثير برفع { ميتة } ، على أنّ كان تامّة ، وقد أجري ضمير : { يَكُن } على التّذكير : لأنّه جائز في الخبر عن اسم الموصول المفرد اعتبار التّذكير لتجرّد لفظه عن علامة تأنيث ، وقد يراعى المقصود منه فيجري الإخبار على اعتباره ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك حتّى إذا خرجوا من عندك } [ محمد : 16 ] . وقرأ ابنُ عامر بالفوقيّة على اتّباع تأنيث { خالصة } ، أي إن تكن الأجنّة ، وقرأ { ميتة } بالنّصب ، وقرأه أبو بكر عن عاصم بالتّأنيث والنّصب .
وجملة : { سيجزيهم وصفهم } مستأنفة استئنافاً بيانياً ، كما قلتُ في جملة : { سيجزيهم بما كانوا يفترون } [ الأنعام : 138 ] آنفاً .
والوصف : ذكر حالات الشّيء الموصوف وما يتيمّز به لمن يريد تمييزه في غرض ما ، وتقدّم في قوله : { سبحانه وتعالى عمّا يصفون } في هذه السّورة ( 100 ) . والوصف ، هنا : هو ما وصفوا به الأجنّة من حِلّ وحرمَة لفريق دون فريق ، فذلك وصف في بيان الحرام والحلال منه كقوله تعالى : { ولا تَقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } [ النحل : 116 ] .
وجزاؤهم عنه هو جزاء سوءٍ بقرينة المقام ، لأنّه سمّى مزاعمهم السّابقة افتراء على الله . وجُعل الجزاء متعدّيا للوصف بنفسه على تقدير مضاف ، أي : سيجْزيهم جزاءَ وصفهم . ضمّن { يجزيهم } معنى يُعطيهم ، أي جزاء وفاقاً له .
وجملة : { إنه حكيم عليم } تعليل لكون الجزاء موافقا لجرُم وصفهم . وتؤذن ( إنّ ) بالربط والتّعليل ، وتُغني غناء الفاء ، فالحكيم يضع الأشياء مواضعها ، والعليم يطّلع على أفعال المجزيين ، فلا يضيع منها ما يستحقّ الجزاء .
قوله تعالى : " وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا " هذا نوع آخر من جهلهم . قال ابن عباس : هو اللبن ، جعلوه حلالا للذكور وحراما على الإناث . وقيل : الأجنة . قالوا : إنها لذكورنا . ثم إن مات منها شيء أكله الرجال والنساء . والهاء في " خالصة " للمبالغة في الخلوص ، ومثله رجل علامة ونسابة ، عن الكسائي والأخفش . و " خالصة " بالرفع خبر المبتدأ الذي هو " ما " . وقال الفراء : تأنيثها لتأنيث الأنعام . وهذا القول عند قوم خطأ ؛ لأن ما في بطونها ليس منها ، فلا يشبه قوله{[6751]} " يلتقطه بعض السيارة{[6752]} " [ يوسف : 10 ] لأن بعض السيارة سيارة ، وهذا لا يلزم . قال{[6753]} الفراء : فإن ما في بطون الأنعام أنعام مثلها ، فأنث لتأنيثها ، أي الأنعام التي في بطون الأنعام خالصة لذكورنا . وقيل : أي جماعة ما في البطون . وقيل : إن " ما " ترجع إلى الألبان أو الأجنة ، فجاء التأنيث على المعنى والتذكير على اللفظ . ولهذا قال " ومحرم على أزواجنا " على اللفظ . ولو راعى المعنى لقال ومحرمة . ويعضد هذا قراءة الأعمش " خالص " بغير هاء . قال الكسائي : معنى خالص وخالصة واحد ، إلا أن الهاء للمبالغة ؛ كما يقال . : رجل داهية وعلامة ؛ كما تقدم . وقرأ قتادة " خالصة " بالنصب على الحال من الضمير في الظرف الذي هو صلة ل " ما " . وخبر المبتدأ محذوف ، كقولك : الذي في الدار قائما زيد . هذا مذهب البصريين . وانتصب عند الفراء على القطع . وكذا القول في قراءة سعيد بن جبير " خالصا " . وقرأ ابن عباس " خالصه " على الإضافة فيكون ابتداء ثانيا ، والخبر " لذكورنا " والجملة خبر " ما " . ويجوز أن يكون " خالصه " بدلا من " ما " . فهذه خمس قراءات . " ومحرم على أزواجنا " أي بناتنا . عن ابن زيد . وغيره : نساؤهم . " وإن يكن ميتة " قرئ بالياء والتاء ، أي إن يكن ما في بطون الأنعام{[6754]} ميتة " فهم فيه شركاء " أي الرجال والنساء . وقال " فيه " لأن المراد بالميتة الحيوان ، وهي تقوي قراءة الياء ، ولم يقل فيها . " ميتة " بالرفع بمعنى تقع أو تحدث . " ميتة " بالنصب ، أي وإن تكن النسمة ميتة . " سيجزيهم وصفهم " أي كذبهم وافتراءهم ، أي يعذبهم على ذلك . وانتصب " وصفهم " بنزع الخافض ، أي بوصفهم . وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به ، حتى يعرف فساد قوله ، ويعلم كيف يرد عليه ؛ لأن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قول من خالفهم من أهل{[6755]} زمانهم ، ليعرفوا فساد قولهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.