التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ} (23)

قوله : { ثم لم تكن فتنتهم } عطف على جملة { ثم نقول } و ( ثم ) للترتيب الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه .

والفتنة أصلها الاختبار ، من قولهم : فتنَ الذهَب إذا اختبر خلوصه من الغلْث . وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله ، لأنّ مثل ذلك يدلّ على مقدار ثبات من يناله ، فقد يكون ذلك في حالة العيش ؛ وقد يكون في البغض والحبّ ؛ وقد يكون في الاعتقاد والتفكير وارتباك الأمور . وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى : { إنّما نحن فتنة فلا تكفر } في سورة [ البقرة : 102 ] .

{ وفتنتهم } هنا استثني منها { أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين } ، فذلك القول إمّا أن يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ الاستثناء ، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنّها فتنة .

فالتقدير : لم يكن لهم قول هو فتنة لهم إلاّ قولهم { والله ربّنا ما كنا مشركين } .

وإمّا أن يكون القول المستثنى دالاً على فتنتهم ، أي على أنّهم في فتنة حين قالوه . وأيّاً ما كان فقولهم : { والله ربّنا ما كنّا مشركين } متضمّن أنّهم مفتونون حينئذٍ .

وعلى ذلك تحتمل الفتنة أن تكون بمعنى اضطراب الرأي والحيرة في الأمر ، ويكون في الكلام إيجاز . والتقدير : فافتتنوا في ماذا يجيبون ، فكان جوابهم أن قالوا : { والله ربّنا ما كنّا مشركين } فعدل عن المقدّر إلى هذا التركيب لأنّه قد علم أنّ جوابهم ذلك هو فتنتهم لأنّه أثرها ومظهرها .

ويحتمل أن يراد بالفتنة جوابهم الكاذب لأنّه يفضي إلى فتنة صاحبه ، أي تجريب حالة نفسه .

ويحتمل أن تكون أطلقت على معناها الأصلي وهو الاختبار . والمراد به السؤال لأنّ السؤال اختبار عمّا عند المسؤول من العلم ، أو من الصدق وضدّه ، ويتعيّن حينئذٍ تقدير مضاف ، أي لم يكن جواب فتنتهم ، أي سؤالهم عن حال إشراكهم إلاّ أن قالوا : { والله ربّنا ما كنّا مشركين } .

وقرأ الجمهور { لم تكن } بتاء تأنيث حرف المضارعة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، ويعقوب بياء المضارعة للغائبة باعتبار أنّ { قالوا } هو اسم ( كان ) . وقرأ الجمهور { فتنتهم } بالنصب على أنّه خبر ( كان ) ، فتكون ( كان ) ناقصة واسمها { إلاّ أن قالوا } وإنّما أخّر عن الخبر لأنّه محصور .

وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم بالرفع على أنّه اسم ( كان ) و { أنْ قالوا } خبر ( كان ) ، فتجعل ( كان ) تامّة . والمعنى لم توجد فتنة لهم إلاّ قولهم : { والله ربّنا ما كنّا مشركين } ، أي لم تقع فتنتهم إلاّ أن نفوْا أنّهم أشركوا .

ووجه اتّصال الفعل بعلامة مضارعة للمؤنّث على قراءة نصب { فتنتهم } هو أنّ فاعله مؤنَّث تقديراً ، لأنّ القول المنسبك من ( أن ) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين . قال أبو علي الفارسي : وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] ، لأنّ الأمثال لمّا كانت في معنى الحسنات أنّث اسم عددها .

وقرأ الجمهور { ربّنا } بالجرّ على الصفة لاسم الجلالة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف بالنصب على النداء بحذف حرفه .

وذكرُهم الربّ بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصّل من الشرك ، أي لا ربّ لنا غيره . وقد كذّبوا وحلفوا على الكذب جرياً على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة ، لأنّ المرء يحشر على ما عاش عليه ، ولأنّ الحيرة والدهش الذي أصابهم خيّل إليهم أنّهم يموّهون على الله تعالى فيتخلّصون من العقاب . ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذٍ ، لأنّ الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أنّ غيرهم لا تظهر له ، ولأنّ هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنّهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا .

وفي « صحيح البخاري » : أنّ رجلاً قال لابن عباس : إنِّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ ، فذكر منها قوله : { ولا يكتمون الله حديثاً } [ النساء : 42 ] وقوله : { والله ربّنا ما كنّا مشركين } . فقد كتموا في هذه الآية . فقال ابن عباس : إنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، فيقول المشركون تعالوا نقل : ما كنّا مشركين ، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم ، فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يُكتم حديثاً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ} (23)

قوله تعالى : " ثم لم تكن فتنتهم " الفتنة الاختبار أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ، ورأوا الحقائق ، وارتفعت الدواعي{[6273]} . " إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " تبرؤوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين . قال ابن عباس : يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم ، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ، فإذا رأى المشركون ذلك ، قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول : إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين ، فقال الله تعالى : أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم ، فيختم على أفواههم ، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا ، فذلك قوله : " يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا{[6274]} " [ النساء : 42 ] . وقال أبو إسحاق الزجاج : تأويل هذه الآية لطيف جدا ، أخبر الله عز وجل بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم ، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك ، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه ، فيقال{[6275]} : ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه . وقال الحسن : هذا خاص بالمنافقين جروا على عادتهم في الدنيا ، ومعنى ( فتنتهم ) عاقبة فتنتهم أي كفرهم . وقال قتادة : معناه معذرتهم . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال : ( فيلقى العبد فيقول : أي فل{[6276]} ألم أكرمك وأسودك وأزوجك{[6277]} وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول : بلى أي رب{[6278]} ، فيقول أفظننت أنك ملاقي ؟ فيقول : لا ، فيقول إني أنساك كما نسيتني . ثم يلقى الثاني فيقول له ويقول هو مثل ذلك بعينه ، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول : يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ، يثني بخير ما استطاع قال : فيقال ههنا إذا ، ثم يقال له : الآن نبعث شاهدا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي ، فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ، وذلك ليعذر من نفسه ، وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه ) .


[6273]:في هـ و ب و ج و ع: الدعاوي.
[6274]:راجع ج 5 ص 198.
[6275]:في الأصول " فيقول" والتصويب عن تفسير الفخر والألوسي.
[6276]:"أي فل" قال النووي: (بضم الفاء وسكون اللام) ومعناه يا فلان وهو ترخيم على خلاف القياس، وقيل: ليس ترخيما بل هي لغة بمعنى فلان لأنه لا يقال إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيما لفتحوها أو ضموها. "وتربع" أي تأخذ ربع الغنيمة، يريد ألم أجعلك رئيسا مطاعا، لأن الملك كان يأخذ ربع الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه. وقيل: إن معناه تركك مستريحا لا تحتاج إلى كلفة وطلب.
[6277]:الزيادة عن صحيح مسلم.
[6278]:الزيادة عن صحيح مسلم.