إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود - أبو السعود  
{ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ} (23)

{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } بتأنيث الفعلِ ورفع ( فتنتُهم ) على أنه اسمٌ له والخبرُ { إِلاَّ أَن قَالُوا } وقرئ بنصب ( فتنتَهم ) على أنها الخبرُ والاسمُ إلا أن قالوا ، والتأنيث للخبر كما في قولهم : من كانت أمَّك ؟ وقرئ بالتذكير مع رفع الفتنة ونصبها ، ورفعُها أنسبُ بحسب المعنى ، والجملة عطفٌ على ما قُدّر عاملاً في يوم نحشرهم كما أشير إليه فيما سلف ، والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعم الأشياء ، وفتنتُهم إما كفرُهم مراداً به عاقبتُه أي لم تكن عاقبةُ كفرِهم الذي لزِموه مدةَ أعمارِهم وافتخروا به شيئاً من الأشياء إلا جحودَه والتبرؤَ منه بأن يقولوا : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وإما جوابُهم ، عبّر عنه بالفتنة لأنه كذِب ، ووصفُه تعالى بربوبيته لهم للمبالغة في التبرّؤ من الإشراك وقرئ ( ربَّنا ) على النداء ، فهو لإظهار الضراعة والابتهال في استدعاء قبول المعذرة ، وإنما يقولون ذلك مع علمهم بأنه بمعزِلٍ من النفع رأساً من فرط الحَيْرة والدهَش ، وحملُه على معنى ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا في الدنيا أنا على خطأ في معتقَدِنا مما لا ينبغي أن يُتوهّم أصلاً ، فإنه يُوهِم أن لهم عذراً ما ، وأن لهم قدرةً على الاعتذار في الجملة ، وذلك مُخِلٌّ بكمال هَوْل اليوم قطعاً ، على أنه قد قضى ببطلانه قوله تعالى : { انظر كَيْفَ كَذَبُوا على أَنفُسِهِمْ } .