التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (60)

عطف جملة { وهو الذي يتوفَّاكم } على جملة { وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها } [ الأنعام : 59 ] انتقالاً من بيان سعة علمه إلى بيان عظيم قدرته لأنّ ذلك كلَّه من دلائل الإلهية تعليماً لأوليائه ونعياً على المشركين أعدائه . وقد جرت عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس عقب ذكر دلائلها في الآفاق فجمع ذلك هنا على وجه بديع مؤذن بتعليم صفاته في ضمن دليل وحدانيته . وفي هذا تقريب للبعث بعد الموت .

فقوله : { وهو الذي يتوفَّاكم } صيغة قصر لتعريف جزأي الجملة ، أي هو الذي يتوفَّى الأنفس دون الأصنام فإنَّها لا تملك موتاً ولا حياة .

والخطاب موجه إلى المشركين كما يقتضيه السياق السابق من قوله : { لَقُضي الأمر بيني وبينكم } [ الأنعام : 58 ] واللاحق من قوله { ثم أنتم تشركون } [ الأنعام : 64 ] ويقتضيه طريق القصر . ولمَّا كان هذا الحال غير خاصّ بالمشركين علم منه أنّ الناس فيه سواء .

والتوفّي حقيقته الإماتة ، لأنَّه حقيقة في قبض الشيء مستوفى . وإطلاقه على النوم مجاز لشبه النوم بالموت في انقضاع الإدراك والعمل . ألا ترى قوله تعالى : { الله يتوفَّى الأنفسَ حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمَّى } [ الزمر : 42 ] . وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى : { إذ قال الله يا عيسى إنِّي متوفِّيك } في سورة [ آل عمران : 55 ] .

والمراد بقوله : { يتوفَّاكم } ينيمكم بقرينة قوله : { ثم يبعثكم فيه } ، أي في النهار ، فأراد بالوفاة هنا النوم على التشبيه . وفائدته أنّه تقريب لكيفية البعث يوم القيامة ، ولذا استعير البعث للإفاقة من النوم ليتمّ التقريب في قوله : { ثم يبعثكم فيه } .

ومعنى { جرحتم } كسبتم ، وأصل الجرح تمزيق جلد الحيّ بشيء محدّد مثل السكين والسيف والظُفُر والناب . وتقدّم في قوله : { والجروح قصاص } في سورة [ العقود : 45 ] . وأطلق على كلاب الصيد وبزاته ونحوها اسمُ الجوارح لأنَّها تجرح الصيد ليُمسكه الصائد . قال تعالى : { وما عَلَّمتم من الجوارح مكلِّبين } وتقدّم في سورة [ العقود : 4 ] . كما سمَّوها كواسب ، كقول لبيد :

غُضْفا كَواسبَ ما يُمَنّ طَعَامُها

فصار لفظ الجوارح مرادفاً للكواسب ؛ وشاع ذلك فأطلق على الكسب اسم الجرح ، وهو المراد هنا . وقال تعالى : { أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } [ الجاثية : 21 ] .

وجملة : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } معترضة لقصد الامتنان بنعمة الإمهال ، أي ولولا فضله لما بعثكم في النهار مع علمه بأنَّكم تكتسبون في النهار عبادة غيره ويكتسب بعضكم بعض ما نهاهم عنه كالمؤمنين .

ووقع الاقتصار على الإخبار بعلمه تعالى ما يكسب الناس في النهار دون الليل رعياً للغالب ، لأنّ النهار هو وقت أكثر العمل والاكتساب ، ففي الإخبار أنّه يعلم ما يقع فيه تحذير من اكتساب ما لا يرضَى الله باكتسابه بالنسبة للمؤمنين ، وتهديد للمشركين .

وجملة : { ثم يبعثكم فيه } معطوفة على { يتوفَّاكم بالليل } فتكون ( ثُمّ ) للمهلة الحقيقية ، وهو الأظهر . ولك أن تجعل ( ثم ) للترتيب الرتبي فتعطف على جملة { ويعلم ما جرحتم } ؛ أي وهو يعلم ما تكتسبون من المناهي ثم يردّكم ويمهلكم . وهذا بفريق المشركين أنسب .

و ( في ) للظرفية . والضمير للنهار . والبعثُ مستعار للإفاقة من النوم لأنّ البعث شاع في إحياء الميّت وخاصّة في اصطلاح القرآن { قالوا أئذا متنا وكنَّا تراباً وعظاماً أإنَّا لمبعوثون } [ المؤمنون : 82 ] وحسَّن هذه الاستعارة كونها مبنية على استعارة التوفِّي للنوم تقريباً لكيفية البعث التي حارت فيها عقولهم ، فكلّ من الاستعارتين مرشِّح للأخرى .

واللاّم في { ليقضى أجل مُسمّى } لام التعليل لأنّ من الحكم والعلل التي جعل الله لها نظام اليقظة والنوم أن يكون ذلك تجزئة لعُمُر الحي ، وهو أجله الذي أجِّلت إليه حياته يومَ خلقه ، كما جاء في الحديث « يؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله » فالأجل معدود باللأيام والليالي ، وهي زمان النوم واليقظة . والعلَّةُ التي بمعنى الحكمة لا يلزم اتِّحادها فقد يكون لِفعل الله حِكَم عديدة . فلا إشكال في جَعل اللاّم للتعليل .

وقضاء الأجل انتهاؤه . ومعنى كونه مُسمَّى أنَّه معيَّن محدّد . والمرجع مصدر ميمي ، فيجوز أن يكون المراد الرجوع بالموت ، لأنّ الأرواح تصير في قبضة الله ويبطل ما كان لها من التصرّف بإرادتها . ويجوز أن يكون المراد بالرجوع الحشر يوم القيامة ، وهذا أظهر .

وقوله : { ثُم يُنَبّئكم بما كنتم تعملون } أي يحاسبكم على أعمالكم بعد الموت ، فالمهلة في ( ثم ) ظاهرة ، أو بعد الحشر ، فالمهلةُ لأنّ بين الحشر وبين ابتداء الحساب زمناً ، كما ورد في حديث الشفاعة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (60)

قوله تعالى : " وهو الذي يتوفاكم بالليل " أي ينيمكم فيقبض نفوسكم التي بها تميزون ، وليس ذلك موتا حقيقة بل هو قبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت . والتوفي استيفاء الشيء . وتوفي الميت استوفى عدد أيام عمره ، والذي ينام كأنه استوفى حركاته في اليقظة . والوفاة الموت . وأوفيتك المال ، وتوفيته{[6425]} ، واستوفيته إذا أخذته أجمع . وقال الشاعر{[6426]} :

إن بني الأدْرَدِ ليسوا من أحدْ *** ولا توفاهم قريش في العددْ

ويقال : إن الروح إذا خرج من البدن في المنام تبقى فيه الحياة ؛ ولهذا تكون فيه الحركة والتنفس ، فإذا انقضى عمره خرج روحه وتنقطع حياته ، وصار ميتا لا يتحرك ولا يتنفس . وقال بعضهم . لا تخرج منه الروح ، ولكن يخرج منه الذهن . ويقال : هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى . وهذا أصح الأقاويل ، والله أعلم . " ثم يبعثكم فيه " أي في النهار ؛ ويعني اليقظة . " ليقضى أجل مسمى " أي ليستوفي كل إنسان أجلا ضرب له . وقرأ أبو رجاء وطلحة بن مصرف " ليقضي أجلا مسمى " أي عنده . " جرحتم " كسبتم ، وقد تقدم في ( المائدة ){[6427]} . وفي الآية تقديم وتأخير ، والتقدير وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه ، فقدم الأهم الذي من أجله وقع البعث في النهار . وقال ابن جريج " ثم يبعثكم فيه " أي في المنام . ومعنى الآية : إن إمهاله تعالى للكفار ليس لغفلة عن كفرهم فإنه أحصى كل شيء عددا وعلمه وأثبته ، ولكن ليقضي أجلا مسمى من رزق وحياة ، ثم يرجعون إليه فيجازيهم . وقد دل على الحشر والنشر بالبعث ؛ لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر .


[6425]:في ز، ل: توفيت الشيء.
[6426]:هو منظور الوبري.
[6427]:راجع ج 6 ص 66.