التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ} (9)

ومعنى { ودُّوا } : أحبوا .

وليس المراد أنهم ودُّوا ذلك في نفوسهم فأطْلَع الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم لعدم مناسبته لقوله : { فلا تطع المكذبين }

وورد في كتب السيرة أن المشركين تقدموا للنبيء صلى الله عليه وسلم بمثل هذا العرض ووسطوا في ذلك عمه أبا طالب وعتبة بن ربيعة .

فينتظم من هذا أن قوله { فلا تطع المكذبين } نهي عن إجابتهم إلى شيء عرضوه عليه عندما قرعهم بأول هذه السورة وبخاصة من وقْع معنى التعريض البديع الممزوج بالوعيد بسوء المستقبل من قوله : { فستبصُر ويبصرون بأيكم المفتون } إلى قوله : { بالمهتدين } [ القلم : 5 7 ] فلعلهم تحدثوا أو أوعَزُوا إلى من يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو صارحوه بأنفسهم بأنه إن ساءه قولهم فيه { إنه لمجنون } [ القلم : 51 ] فقد ساءهم منه تحقيرهم بصفات الذم وتحقير أصنامهم وآبائهم من جانب الكفر فإن أمسك عن ذلك أمسكوا عن أذاه وكان الحال صلحاً بينهم ويترك كلّ فريق فريقاً وما عبده .

والطاعة : قبول ما يُبتغَى عمله ، ووقوع فعل { تطع } في حيز النهي يقتضي النهي عن جنس الطاعة لهم فيعم كل إجابة لطلب منهم ، فالطاعة مراد بها هنا المصالحة والملاينة كما في قوله تعالى : { فلا تطع الكافرين وجَاهدهم به جهاداً كبيراً } [ الفرقان : 52 ] ، أي لا تلن لهم .

واختير تعريفهم بوصف المكذبين دون غيره من طرق التعريف لأنه بمنزلة الموصول في الإِيماء إلى وجه بناءِ الحكم وهو حكم النهي عن طاعتهم فإن النهي عن طاعتهم لأنهم كذبوا رسالته .

ومن هنا يتضح أن جملة { ودُّوا لو تُدهِنُ فيدهنون } بيان لمتعلق الطاعة المنهي عنها ولذلك فصلت ولم تعطف .

وفعل { تدهن } مشتق من الإدهان وهو الملاينة والمصانعة ، وحقيقة هذا الفعل أن يجعل لشيء دهناً إما لتليينه وإما لتلوينه ، ومن هاذين المعنيين تفرعت معاني الإِدهان كما أشار إليه الراغب ، أي ودّوا منك أن تدهن لهم فيدهنوا لك ، أي لو تُواجههم بحسن المعاملة فيواجهونك بمثلها .

والفاء في { فيدهنون } للعطف ، والتسبب عن جملة { لو تدهن } جواباً لمعنى التمني المدلول عليه بفعل { ودُّوا } بل قصد بيان سبب ودادتهم ذلك ، فلذلك لم ينصب الفعل بعد الفاء بإضمار ( أنْ ) لأن فاء المتسبب كافية في إفادة ذلك ، فالكلام بتقدير مبتدأ محذوف تقديره : فهم يدهنون .

وسلك هذا الأسلوب ليكون الاسم المقدر مقدماً على الخبر الفعلي فيفيد معنى الاختصاص ، أي فالإِدهان منهم لا منك ، أي فاترك الإِدهان لهم ولا تتخلق أنت به ، وهذه طريقة في الاستعمال إذا أريد بالترتبات أنه ليس تعليق جواب كقوله تعالى : { فمن يؤمنْ بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً } [ الجنّ : 13 ] ، أي فهو لا يخاف بخساً ولا رهقاً .

وحرف { لو } يحتمل أن يكون شرطياً ويكونَ فعل { تدهن } شرطاً ، وأن يكون جوابُ الشرط محذوفاً ويكون التقدير : لو تدهن لحصل لهم ما يودون . ويحتمل أن يكون { لو } حرفاً مصدرياً على رأي طائفة من علماء العربية أن { لو } يأتي حرفاً مصدرياً مثل ( أنْ ) فقد قال بذلك الفراء والفارسي والتبريزي وابن مالك فيكون التقدير : ودوا إدهانك .

ومفعول { وَدُّوا } محذوف دل عليه { لو تدهن } ، أو هو المصدر بناء على أن { لو } تقع حرفاً مصدرياً ، وتقدم في قوله تعالى : { يوَدُّ أحدهم لو يُعَمّر ألف سنة } في سورة البقرة ( 96 ) . وقد يفيد موقع الفاء تعليلاً لمودتهم منه أن يدهن ، أي ودوا ذلك منك لأنهم مدهنون ، وصاحب النية السيئة يود أن يكون الناس مثله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ} (9)

قال ابن عباس وعطية والضحاك والسدي : ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم . وعن ابن عباس أيضا : ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك . وقال الفراء والكلبي : لو تلين فيلينون لك . والادهان : التليين لمن لا ينبغي له التليين ، قاله الفراء . وقال مجاهد : المعنى ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك . وقال الربيع بن أنس : ودوا لو تكذب فيكذبون . وقال قتادة : ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك . الحسن : ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم . وعنه أيضا : ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم . زيد بن أسلم : لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون . وقيل : ودوا لو تضعف فيضعفون ، قاله أبو جعفر . وقيل : ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم ، قاله القتبي . وعنه : طلبوا منه أن يعبد ألهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة . فهذه اثنا عشر قولا . ابن العربي : ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال كلها دعاوى على اللغة والمعنى . أمثلها قولهم : ودوا لو تكذب فيكذبون ، ودوا لو تكفر فيكفرون .

قلت : كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى ، فإن الإدهان : اللين والمصانعة . وقيل : مجاملة العدو ممايلته . وقيل : المقاربة في الكلام والتليين في القول . قال الشاعر :

لبعض الغَشْمِ أحزم في أمور *** تنوبك من مداهنة العدو

وقال المفضل : النفاق وترك المناصحة . فهي على هذا الوجه مذمومة ، وعلى الوجه الأول غير مذمومة ، وكل شيء منها لم يكن . قال المبرد : يقال أدهن في دينه وداهن في أمره ، أي خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر . وقال قوم : داهنت بمعنى واريت ، وأدهنت بمعنى غششت ، قال الجوهري . وقال : " فيدهنون " فساقه على العطف ، ولو جاء به جواب النهي لقال فيدهنوا . وإنما أراد : إن تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك ، عطفا لا جزاء عليه ولا مكافأة ، وإنما هو تمثيل وتنظير .