التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ} (2)

وقوله { بنعمة ربك } جعله في الكشاف حالا من الضمير الذي في مجنون المنفي . والتقدير : انتفى وصف المجنون بنعمة ربك عليك . والباء للملابسة أو السببية ، أي بسبب إنعام الله إذ برأك من النقائص . والذي أرى أن تكون جملة معترضة وأن الباء متعلقة بمحذوف يدل عليه المقام وتقديره : أن ذلك بنعمة ربك ، على نحو ما قيل في تعلق الباء في قوله باسم الله وهو الذي يقتضيه استعمالهم كقول الحماسي الفضل بن عباس اللهبي :

كل له نية في بغض صاحبه *** بنعمة الله نقليكم وتقلـونـا

وذهب ابن الحاجب في أماليه أن { بنعمة ربك } متعلق ما يتضمنه حرف { ما } النافية من معنى الفعل وقدره : انتفى أن تكون مجنونا بنعمة ربك . ولا يصح تعلقه بقوله { مجنون } إذ لو علق به لأوهم نفي جنون خاص وهو الجنون الذي يكون من نعمة الله وليس ذلك بمستقيم . واستحسن هذا ابن هشام في مغني اللبيب في الباب الثالث لولا أنه مخالف لاتفاق أن النحاة على عدم صحة تعلق الظرف بالحرف ولم يخالفهم في ذلك إلا أبو علي وأبو الفتح في خصوص تعلق المجرور والظرف بمعنى الحرف النائب عن فعل مثل حرف النداء في قولك : يا لزيد يريد في الاستغاثة ، وتقدم نظيره في قوله { فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون } في سورة الطور .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ} (2)

" ما أنت بنعمة ربك بمجنون " هذا جواب القسم وهو نفي ، وكان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه مجنون ، به شيطان . وهو قولهم : " يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون{[15220]} " [ الحجر : 6 ] فأنزل الله تعالى ردا عليهم وتكذيبا لقولهم { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } أي برحمة ربك . والنعمة ها هنا الرحمة . ويحتمل ثانيا - أن النعمة ها هنا قسم ، وتقديره : ما أنت ونعمة ربك بمجنون ؛ لأن الواو والباء من حروف القسم . وقيل هو كما تقول : ما أنت بمجنون ، والحمد لله . وقيل : معناه ما أنت بمجنون ، والنعمة لربك ؛ كقولهم : سبحانك اللهم وبحمدك ؛ أي والحمد لله . ومنه قول لبيد :

وأفردتُ في الدنيا بفقد عشيرتي *** وفارقني جارٌ بأربَدَ نافعُ

أي وهو أربد{[15221]} . وقال النابغة :

لم يُحْرَمُوا حسنَ الغذاء وأمُّهم *** طَفَحَتْ عليك بناتِقٍ مِذْكَارِ

أي هو ناتق . والباء في " بنعمة ربك " متعلقة " بمجنون " منفيا ، كما يتعلق بغافل مثبتا . كما في قولك : أنت بنعمة ربك غافل . ومحله النصب على الحال ، كأنه قال : ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك .


[15220]:راجع جـ 10 ص 4.
[15221]:الربدة (بضم فسكون): الغيرة. ورواية الديوان في هذا البيت: وقد كنت في أكناف جار مضنة * فقارقني.....الخ. و "جار مضنة": جار يضن به.