التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} (10)

ومعنى : { دساها } حال بينها وبين فعل الخير . وأصل فعل دسّى : دسّ ، إذا أدخل شيئاً تحت شيء فأخفاه ، فأبدلوا الحرف المضاعف ياء طلباً للتخفيف كما قالوا : تقضّى البازي أو تقضض ، وقالوا : تظنيت ، أي من الظن .

وإن كانت جملة { قد أفلح من زكاها } جواب القسم فجملة { كذبت ثمود بطغواها } [ الشمس : 11 ] في موقع الدليل لمضمون جملة { وقد خاب من دساها } أي خاب كخيبة ثمود .

والفلاح : النجاح بحصول المطلوب ، والخيبة ضده ، أي أن يُحرم الطالب مما طلبه .

فالإِنسان يرغب في الملائم النافع ، فمن الناس من يطلب ما به النفع والكمال الدائمان ، ومن الناس من يطلب ما فيه عاجل النفع والكمال الزائف ، فالأول قد نجح فيما طلبه فهو مفلح ، والثاني يحصِّل نفعاً عارضاً زائلاً وكمالاً موقتاً ينقلب انحطاطاً فذلك لم ينجح فيما طلبه فهو خائب ، وقد عبر عن ذلك هنا بالفلاح والخيبة كما عبر عنه في مواضع أخر بالربح والخسارة .

والمقصود هنا الفلاح في الآخرة والخيبة فيها .

وفي هذه الآيات مُحسّن الطباق غير مرّة فقد ذكرت أشياء متقابلة متضادة مثل الشمس والقمر لاختلاف وقت ظهورهما ، ومثل النهار والليل ، والتجلية والغشي ، والسماء والأرض ، والبناء والطحو ، والفجور والتقوى ، والفلاح والخيبة ، والتزكية والتدسية .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} (10)

" وقد خاب من دساها " أي خسرت نفس دسها الله عز وجل بالمعصية . وقال ابن عباس : خابت نفس أضلها وأغواها . وقيل : أفلح من زكى نفسه بطاعة الله ، وصالح الأعمال ، وخاب من دس نفسه في المعاصي . قاله قتادة وغيره . وأصل الزكاة : النمو والزيادة ، ومنه زكا الزرع : إذا كثر ريعه ، ومنه تزكية القاضي للشاهد ؛ لأنه يرفعه بالتعديل ، وذكر الجميل . وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة " {[16096]} مستوفى . فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البر ، شهر نفسه ورفعها . وكانت أجواد العرب تنزل الربا وارتفاع الأرض ، ليشتهر مكانها للمعتفين{[16097]} ، وتوقد النار في الليل للطارقين . وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام{[16098]} ، ليخفى مكانها عن الطالبين . فأولئك علوا أنفسهم وزكوها ، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها . وكذا الفاجر أبدا خفي المكان ، زمر{[16099]} المروءة غامض الشخص ، ناكس الرأس بركوب المعاصي . وقيل : دساها : أغواها . قال :

وأنتَ الذي دَسَّيْتَ عَمْراً فأصبحت *** حلائلُه منه أراملَ ضُيِّعَا{[16100]}

قال أهل اللغة : والأصل : دسسها ، من التدسيس ، وهو إخفاء الشيء ، فأبدلت سينه ياء ، كما يقال : قصيت أظفاري ، وأصله قصصت أظفاري . ومثله قولهم في تقضض : تقضي . وقال ابن الأعرابي : " وقد خاب من دساها " أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم .


[16096]:راجع جـ 1 ص 343 طبعة ثانية أو ثالثة.
[16097]:المعتفى: كل طالب فضل أو رزق.
[16098]:الأولاج: ما كان من كهف أو غار يلجأ إليه. والأهضام: أسافل الأودية.
[16099]:الزمر: القليل.
[16100]:الذي في اللسان (مادة دسا): وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت *** نساؤهم فيهم أرامل ضيع وقال: دسيت: أغويت وأفسدت. وعمرو: قبيلة.