التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ} (1)

مقدمة السورة:

قال الآلوسي أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمونها { المقبرة } اه .

وسميت في معظم المصاحف ومعظم التفاسير { سورة التكاثر } وكذلك عنونها الترمذي في جامعه وهي كذلك معنونة في بعض المصاحف العتيقة بالقيروان .

وسميت في بعض المصاحف { سورة ألهاكم } وكذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه .

وهي مكية عند الجمهور قال ابن عطية : هي مكية لا أعلم فيها خلافا .

وعن ابن عباس والكلبي ومقاتل : إنها نزلت في مفاخرة جرت بين بني عبد مناف وبني سهم في الإسلام كما يأتي قريبا وكانوا من بطون قريش بمكة ولأن قبور أسلافهم بمكة .

وفي الإتقان : المختار : أنها مدنية . قال : ويدل له ما أخرجه ابن أبي حاتم أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخروا ، وما أخرجه البخاري عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب . قال أبي : كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت { ألهكم التكاثر } اه . يريد المستدل بهذا أن أبيا أنصاري وأن ظاهر قوله : حتى نزلت { ألهاكم التكاثر } ، أنها نزلت بعد أن كانوا يعدون لو أن لابن آدم واديا من ذهب الخ من القرآن وليس في كلام أبي دليل ناهض إذ يجوز أن يريد بضمير كنا المسلمين ، أي كان من سبق منهم يعد ذلك من القرآن حتى نزلت سورة التكاثر وبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ما كانوا يقولونه ليس بقرآن .

والذي يظهر من معاني السورة وغلظة وعيدها أنها مكية وأن المخاطب بها فريق من المشركين لأن ما ذكر فيها لا يليق بالمسلمين أيامئذ .

وسبب نزولها فيما قال الواحدي والبغوي عن مقاتل والكلبي والقرطبي عنهما وعن ابن عباس : أن بني عبد مناف وبني سهم من قريش تفاخروا فتعادوا السادة والأشراف من أيهم أكثر عددا فكثر بنو عبد مناف بنو سهم بثلاثة أبيات لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بريدة الجرمي قال : نزلت في قبيلتين من الأنصار بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا بالأحياء ثم قالوا : انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول : فيكم مثل فلان ، تشير إلى القبر . ومثل فلان ، وفعل الآخرون مثل ذلك ، فأنزل الله { ألهاكم التكاثر } .

وقد عدت السادسة عشرة في ترتيب نزول السور ، ونزلت بعد سورة الكوثر وقبل سورة الماعون بناء على أنها مكية .

وعدد آيتها ثمان .

أغراضها

اشتملت على التوبيخ على اللهو عن النظر في دلائل القرآن ودعوة الإسلام بإيثار المال والتكاثر به والتفاخر بالأسلاف وعدم الإقلاع عن ذلك إلى أن يصيروا في القبور كما صار من كان قبلهم وعلى الوعيد على ذلك .

وحثهم على التدبير فيما ينجيهم من الجحيم .

وأنهم مبعوثون ومسؤولون عن إهمال شكر المنعم العظيم .

{ ألهاكم } أي شغلكم عما يجب عليكم الاشتغالُ به لأن اللهو شغل يصرف عن تحصيل أمرٍ مهم .

و { التكاثر } : تفاعل في الكثْر أي التباري في الإِكثار من شيء مرغوب في كثرته . فمنه تكاثر في الأموال ، ومنه تكاثر في العَدد من الأولاد والأحلاف للاعتزاز بهم . وقد فسرت الآية بهما قال تعالى : { وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين } [ سبأ : 35 ] .

وقال الأعشى :

ولستَ بالأكْثر منهم حَصًى *** وإنما العِزة للكَاثر

روى مسلم عن عبد الله بن الشِّخِّير قال : « انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : { ألهاكم التكاثر } قال : يقول ابنُ آدم مالي مالي ، وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنَيْت أو لَبست فَأَبْلَيْت أو تصدقت فأمضَيْت » فهذا جارٍ مجرى التفسير لمعنى من معاني التكاثر اقتضاه حال الموعظة ساعتئذ وتحتمله الآية .

والخطاب للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله : { كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون } وقوله : { لترون الجحيم } [ التكاثر : 6 ] إلى آخر السورة ، ولأن هذا ليس من خُلق المسلمين يومئذ .

والمراد بالخطاب : سادتُهم وأهلُ الثراء منهم لقوله : { ثم لتسئلن يومئذٍ عن النعيم } [ التكاثر : 8 ] ، ولأن سادة المشركين هم الذين آثاروا ما هم فيه من النعمة على التهمّم بتلقي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فتصدَّوا لتكذيبه وإغراء الدهماء بعدم الإِصغاء له . فلم يُذكَر المُلْهَى عنه لظهور أنه القرآن والتدبر فيه ، والإِنصاف بتصديقه . وهذا الإِلهاء حصل منهم وتحقق كما دل عليه حكايته بالفعل الماضي .

وإذا كان الخطاب للمشركين فلأن المسلمين يعلمون أن التلبس بشيء من هذا الخلق مذموم عند الله ، وأنه من خصال أهل الشرك فيعلمون أنهم محذرون من التلبس بشيء من ذلك فيحذرون من أن يُلهيهم حب المال عن شيء من فعل الخير ، ويتوقعون أن يفاجئهم الموت وهم لاهون عن الخير ، قال تعالى يخاطب المؤمنين : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته } [ الحديد : 20 ] الآية .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التكاثر مكية وآياتها ثمان

هذه السورة ذات إيقاع جليل رهيب عميق وكأنما هي صوت نذير ، قائم على شرف عال . يمد بصوته ويدوي بنبرته . يصيح بنوم غافلين مخمورين سادرين ، أشرفوا على الهاوية وعيونهم مغمضة ، وحسهم مسحور . فهو يمد بصوته إلى أعلى وأبعد ما يبلغ :

( ألهاكم التكاثر . حتى زرتم المقابر ) . .

أيها السادرون المخمورون . أيها اللاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة وأنتم مفارقون . أيها المخدوعون بما أنتم فيه عما يليه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ} (1)

مقدمة السورة:

وهي مكية في قول جميع المفسرين ، وروى البخاري أنها مدنية ، وهي ثماني آيات .

فيه خمس مسائل :

الأولى- قوله تعالى : { ألهاكم التكاثر } ألهاكم : شغلكم . قال :

فألهيتُها عن ذي تمائم مُغْيِلِ{[16331]}

أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله ، حتى متم ودفنتم في المقابر . وقيل : ألهاكم : أنساكم . " التكاثر " : أي من الأموال والأولاد ، قاله ابن عباس والحسن . وقال قتادة : أي التفاخر بالقبائل والعشائر . وقال الضحاك : أي ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة . يقال : لهيت عن كذا ( بالكسر ) ألهى لهيا ولهيانا : إذا سلوت عنه ، وتركت ذكره ، وأضربت عنه . وألهاه : أي شغله . ولهاه به تلهية أي علله . والتكاثر : المكاثرة . قال مقاتل وقتادة وغيرهما : نزلت في اليهود حين قالوا : نحن أكثر من بني فلان ، وبنو فلان أكثر من بني فلان ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا . وقال ابن زيد : نزلت في فخذ من الأنصار . وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي : نزلت في حيين من قريش : بني عبد مناف ، وبني سهم ، تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام ، فقال كل حي منهم : نحن أكثر سيدا ، وأعز عزيزا ، وأعظم نفرا ، وأكثر عائذا ، فكثر بنو عبد مناف سهما . ثم تكاثروا بالأموات ، فكثرتهم سهم ، فنزلت { ألهاكم التكاثر } بأحيائكم فلم ترضوا { حتى زرتم المقابر } مفتخرين بالأموات . وروى سعيد عن قتادة قال : كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان ، ونحن أعد من بني فلان ، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم ، والله مازالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم . وعن عمرو بن دينار : حلف أن هذه السورة نزلت في التجار . وعن شيبان عن قتادة قال : نزلت في أهل الكتاب . قلت : الآية تعم جميع ما ذكر وغيره . وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ { ألهاكم التكاثر } قال : " يقول ابن آدم : مالي مالي ! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت [ وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " {[16332]} ] . وروى البخاري عن ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن لابن آدم واديا من ذهب ، لأحب أن يكون له واديان ، ولن يملأ فاه إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ) . قال ثابت عن أنس عن أبي : كنا نرى هذا من القرآن ، حتى نزلت { ألهاكم التكاثر } . قال ابن العربي : وهذا نص صحيح مليح ، غاب عن أهل التفسير فجهلوا ، والحمد لله على المعرفة . وقال ابن عباس : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر } ، قال : ( تكاثر الأموال : جمعها من غير حقها ، ومنعها من حقها ، وشدها في الأوعية ) .


[16331]:هذا عجز من معلقة امرىء القيس، وصدره: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * ويروى: "تمائم تحول"، أي قد أتى عليه الحول، و"المغيل": الذي تؤتى أمه وهي ترضعه.
[16332]:ما بين المربعين من رواية أبي هريرة في سند آخر، لا من رواية معارف (راجع صحيح مسلم).