تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته  
{أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة التكاثر

أهداف سورة التكاثر

( سورة التكاثر مكية ، وآياتها 8 آيات ، نزلت بعد سورة الكوثر )

من أسباب النزول :

أخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي بريدة قال : نزلت : ألهاكم التكاثر . في قبيلتين من الأنصار ، وهما : بنو حارثة ، وبنو الحرث ، تفاخروا وتكاثروا ، فقالت إحداهما : أفيكم مثل فلان وفلان ؟ وقالت الأخرى مثل ذلك . تفاخروا بالأحياء ، ثم قالوا : انطلقوا بنا إلى القبور ، فجعلت إحدى الطائفتين تقول : أفيكم مثل فلان وفلان ؟ وتشير إلى القبر ، ومثل فلان ، وفعل الآخرون مثل ذلك ، فأنزل الله هذه السورة .

هذه السورة صيحة بالقلب البشري الغارق في التفاخر والتكاثر بالدنيا ومظاهرها ، وتنبيه له إلى أن ما تفاخر به إلى زوال ، وأن الدنيا قصيرة ، وأن الغاية إلى حفرة ضيقة ، وهناك ترى الحقيقة الباقية ، واليقين المؤكد ، وتسأل عن هذه الألوان المتنوعة من الملذات ، وعن سائر ألوان النعيم ، عن الشباب والمال والجاه والصحة والعافية ، ماذا عملت بها ؟

( وروي : يسأل عن التنعم الذي شغله الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه ، وعن الحسن : يسأل عما زاد عن كنّ يؤويه ، وثوب يواريه ، وكسرة تقوّيه )i .

مع آيات السورة

1 ، 2- ألهاكم التكاثر* حتى زرتم المقابر . أيها السادرون الغافلون ، أيها اللاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة ، وأنتم مفارقون ، أيها المخدوعون بما أنتم فيه عما يليه . أيها التاركون ما تتكاثرون به وتتفاخرون إلى حفرة ضيقة لا تكاثر فيها ولا تفاخر ، استيقظوا وانظروا . . فقد شغلكم حب الكثرة والفخر حتى هلكتم ، وصرتم من الموتى ، ورأيتم الحساب والجزاء .

وفي صحيح مسلم ، عن مطرف ، عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ : ألهاكم التكاثر . قال : ( يقول ابن آدم : مالي ، ومالك ، يا ابن آدم ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، وما سوى ذلك فذاهب وتركه للناس ) . ii .

3 ، 4- كلاّ سوف تعلمون* ثم كلاّ سوف تعلمون .

أي : ازدجروا عن مثل هذا التكاثر والتفاخر ، والجأوا إلى التناصر على الحق ، والتكاتف على أعمال البر ، والتضافر على ما فيه حياة الأفراد والجماعات ، من تقويم الأخلاق ، والتعاون على الخير والمعروف ، وإنكم سوف تعلمون سوء مغبة ما أنتم عليه .

ثم كلاّ سوف تعلمون . وهو تكرير للوعيد لتأكيد الزجر والتوبيخ ، كما يقول الإنسان لآخر : أقول لك لا تفعل ، ثم أقول لك لا تفعل .

5- كلاّ لو تعلمون علم اليقين . أي : ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم ، فإنكم لو تعلمون عاقبة أمركم لشغلكم ذلك عن التكاثر ، وصرفكم إلى صالح الأعمال ، وأن ما تدّعونه علما ليس في الحقيقة بعلم ، وإنما وهم وظن ، لا يلبث أن يتغير لأنه لا يطابق الواقع ، والجدير أن يسمى علما هو علم اليقين المطابق للواقع ، بناء على العيان والحس ، أو الدليل الصحيح الذي يؤيده العقل ، أو النقل الصحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم .

6- لترونّ الجحيم . ولا شك في رؤيتها ، والمراد برؤية الجحيم : ذوق عذابها ، ثم أكد هذا المضمون بقوله :

7- ثم لترونّها عين اليقين . أي : لترونها رؤية هي اليقين بنفسه ، مهما كانت نسبتكم أو مجدكم ، فلن ينجيكم منها سوى أعمالكم .

8- ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم . لتسألن عنه : من أين نلتموه ؟ وفيم أنفقتموه ؟ أمن طاعة وفي طاعة ؟ أم من معصية وفي معصية ؟ أمن حلال وفي حلال ؟ أم من حرام وفي حرام ؟ هل شكرتم ؟ هل أديتم حق النعيم ؟ هل شاركتم الفقير والمسكين ؟ هل استأثرتم وبخلتم ومنعتم صاحب الحق حقه ؟

لتسألن عما تتكاثرون به وتتفاخرون . . فهوعبء تستخفونه في غمرتكم ولهوكم ، ولكن وراءه ما وراءه من همّ ثقيل .

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أصبح آمنا في سربه ، معافى في بدنه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) . iii .

***

مقاصد سورة التكاثر

1- ذم الانشغال بمظاهر الحياة .

2- التذكير بالموت والقبر والحساب .

3- زجر الغافلين والعابثين ، وتذكيرهم بيوم الدين .

4- لن ينقذهم من النار جاه ولا سلطان ، ولن ينفعهم سوى العمل الصالح .

5- الحساب على النعيم حق ، فيجب أن يكون النعيم حلالا طيبا .

ذمّ التفاخر بالدنيا

بسم الله الرحمان الرحيم

{ ألهاكم التكاثر 1 حتى زرتم المقابر 2 كلاّ سوف تعلمون 3 ثم كلاّ سوف تعلمون 4 كلاّ لو تعلمون علم اليقين 5 لترونّ الجحيم 6 ثم لترونّها عين اليقين 7 ثم لتسألن يومئذ عن النعيم 8 }

المفردات :

ألهاكم : شغلكم .

التكاثر : التباهي والتفاخر بالكثرة في الأموال والأولاد والأهل والعشيرة .

زرتم المقابر : صرتم إليها ودفنتم فيها .

التفسير :

1 ، 2- ألهاكم التكاثر* حتى زرتم .

شغلكم طلب الكثير من المال والجاه والسلطان ، رغبة في كثرة ما تملكون ، لتكونوا أكثر مالا أو متاعا من أندادكم ونظرائكم ، ولم تلتفتوا إلى عين الحقيقة ، وهي أن المال الحقيقي هو الذي ينفقه الإنسان في سبيل الله ، وأن الفضل الحقيقي هو عمل الخير والمعروف ابتغاء وجه الله ، لأن ذلك هو الذي ينفعك في قبرك ، ويعلي درجتك في الآخرة .

حتى زرتم المقابر .

حتى ذهبتم إلى المقابر ودفنتم فيها ، ولم تجدوا أثرا لتكاثر الدنيا ، والتشبّع بأموالها .

وفي قوله : حتى زرتم المقابر . إشارة لطيفة إلى أن بيت الإقامة الدائمة هو الجنة أو النار ، أما الزائر فإنه ينتقل عن بيت الزيارة ، فالقبر مدفن مؤقّت ، والدار الآخرة هي الحياة الدائمة .

وقيل : إن الآية تحتمل معنى آخر ، هو : شغلكم التفاخر والتكاثر بالأحياء حتى زرتم المقابر لتفتخروا بمن مات منكم من عظماء الدنيا على القبائل الأخرى .

أو المعنى : بنيتم مقابر مشيّدة تفاخرا بها ، كما قال الشاعر :

أرى أهل القصور إذا أميتوا *** بنوا فوق المقابر بالصخور

أبوا إلا مباهاة وفخرا *** على الفقراء حتى في القبور