جملة { قَالُوا إنْ هذان لساحران } بدل اشتمال من جملة { وأسَرُّوا النجوى } ، لأن إسرار النجوى يشتمل على أقوال كثيرة ذُكر منها هذا القول ، لأنّه القول الفصل بينهم والرأي الذي أرسوا عليه ، فهو زبدة مخيض النجوى . وذلك شأن التشاور وتنازع الآراء أن يسفر عن رأي يصدر الجميع عنه .
وإسناد القول إلى ضمير جمعهم على معنى : قال بعضهم : هذان لساحران ، فقال جميعهم : نعم هذان لسَاحران ، فأسند هذا القول إلى جميعهم ، أي مقالة تداولوا الخوض في شأنها فأرسوا عليها . وقال بعضهم لبعض : نعم هو كذلك ، ونطقوا بالكلام الذي استقرّ عليه رأيهم ، وهو تحققهم أنّ موسى وأخاه ساحران .
واعلم أنّ جميع القراء المعتبرين قرأوا بإثبات الألف في اسم الإشارة من قوله « هاذان » ما عدا أبا عمرو من العشرة وما عدا الحسن البصري من الأربعة عشر . وذلك يوجب اليقين بأن إثبات الألف في لفظ ( هذانِ ) أكثر تواتراً بقطع النظر عن كيفيّة النطق بكلمة ( إنّ ) مشدّدة أو مخفّفة ، وأن أكثر مشهور القراءات المتواترة قرأوا بتشديد نون ( إنّ ) ما عدا ابنَ كثير وحفصاً عن عاصم فهما قرءَا ( إنْ ) بسكون النون على أنها مخففة من الثقيلة .
وإن المصحف الإمام ما رسمُوه إلاّ اتّباعاً لأشهر القراءات المسموعة المروية من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقرّاء أصحابه ، فإن حفظ القرآن في صدور القرّاء أقدم من كتابته في المصاحف ، وما كتب في أصول المصاحف إلاّ من حفظ الكاتِبين ، وما كُتب المصحف الإمام إلا من مجموع محفوظ الحُفاظ وما كتبه كتاب الوحي في مدة نزول الوحي .
فأما قراءة الجمهور { إنّ هذان لساحران } بتشديد نون ( إنّ ) وبالألف في هذان وكذلك في لساحران ، فللمفسرين في توجيهها آراء بلغت الستّة . وأظهرها أن تكون ( إنّ ) حرف جواب مثل : نعم وأجَل ، وهو استعمال من استعمالات ( إنّ ) ، أي اتبعوا لما استقر عليه أمرهم بعد النّجوى كقول عبد الله بن قيس الرقيّات :
ويقلْن شيب قد عَلا *** كَ وقد كبِرت فقلت إنّه
أي أجل أو نعم ، والهاء في البيت هاءُ السّكْتتِ ، وقول عبد الله بن الزُبير لأعرابي استجداه فلم يعطه ، فقال الأعرابي : لعَن الله ناقة حملتني إليك . قال ابن الزّبير : إنّ وراكِبَها . وهذا التوجيه من مبتكرات أبي إسحاق الزجاج ذكره في « تفسيره » . وقال : عرضته على عالمينا وشيْخينا وأستاذيْنا محمد بن يزيد ( يعني المبرد ) ، وإسماعيل بن إسحاق بن حمّاد ( يعني القاضي الشهير ) فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعاه في هذا .
وقلت : لقد صدقا وحقّقا ، وما أورده ابن جنّي عليه من الرد فيه نظر .
وفي « التفسير الوجيز » للواحدي سأل إسماعيل القاضي ( هو ابن إسحاق بن حمّاد ) ابنَ كيسان عن هذه المسألة ، فقال ابنُ كيسان : لما لم يظهر في المبهم إعرابٌ في الواحد ولا في الجمع ( أي في قولهم هذا وهؤلاء إذ هما مبنيان ) جرت التثنية مجرى الواحد إذ التثنية يجب أن لا تغيّر . فقال له إسماعيل : ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول فيه حتى يُؤْنس به فقال له ابنُ كيسان : فليقل به القاضي حتى يؤنس به ، فتبسم .
وعلى هذا التوجيه يكون قوله تعالى : { إنّ هَذانِ لسَاحِرانِ } حكايةً لمقال فريق من المتنازعين ، وهو الفريق الذي قبِل هذا الرأي لأنّ حرف الجواب يقتضي كلاماً سبقه .
ودخلت اللاّم على الخبر : إما على تقدير كون الخبر جملة حذف مبتدأها وهو مدخول اللام في التقدير ، ووجودُ اللاّم ينبىء بأن الجملة التي وقعت خبراً عن اسم الإشارة جملة قسميّة ؛ وإما على رأي من يجيز دخول اللام على خبر المبتدأ في غير الضرورة .
ووجهت هذه القراءة أيضاً بجعل ( إنّ ) حرف توكيد وإعراببِ اسمها المثنّى جَرى على لغة كنانة وبِلْحارث بن كعب الذين يجعلون علامة إعراب المثنى الألفَ في أحوال الإعراب كلها ، وهي لغة مشهورة في الأدب العربي ولها شواهد كثيرة منها قول المتلمّس :
فأطرقَ إطراقَ الشُجاع ولو درى *** مساغاً لِنَأبَاهُ الشجاعُ لصمّما
وقرأه حفص بكسر الهمزة وتخفيف نون ( إنْ ) مسكنة على أنها مخففة ( إنّ ) المشددة . ووجه ذلك أن يكون اسم ( إنْ ) المخففة ضمير شأن محذوفاً على المشهور . وتكون اللاّم في { لساحران } اللاّم الفارقة بين ( إنْ ) المخففة وبين ( إن ) النافية .
وقرأ ابن كثير بسكون نون ( إنْ ) على أنها مخففة من الثقيلة وبإثبات الألف في « هذان » وبتشديد نون ( هاذانّ ) .
وأما قراءة أبي عمرو وحده { إنَّ هذَيْن بتشديد نون ( إنّ ) وبالياء بعد ذال هذين . فقال القرطبي : هي مخالفة للمصحف . وأقل : ذلك لا يطعن فيها لأنّها رواية صحيحة ووافقت وجهاً مقبولاً في العربيّة .
ونزول القرآن بهذه الوجوه الفصيحة في الاستعمال ضرب من ضروب إعجازه لتجري تراكيبه على أفانين مختلفة المعاني متحدة المقصود . فلا التفات إلى ما روي من ادعاء أن كتابة إن هاذان خطأ من كاتب المصحف ، وروايتِهم ذلك عن أبانَ بن عثمان بن عفّان عن أبيه ، وعن عروة بن الزبير عن عائشة ، وليس في ذلك سند صحيح .
حسبوا أنّ المسلمين أخذوا قراءة القرآن من المصاحف وهذا تغفّل ، فإن المصحف ما كتب إلاّ بعد أن قرأ المسلمون القرآن نيّفاً وعشرين سنة في أقطار الإسلام ، وما كتبت المصاحف إلاّ من حفظ الحفّاظ ، وما أخذ المسلمون القرآن إلاّ من أفواه حُفّاظه قبل أن تكتب المصاحف ، وبعد ذلك إلى اليوم فلو كان في بعضها خطأ في الخطّ لما تبعه القراء ، ولكان بمنزلة ما تُرك من الألفات في كلمات كثيرة وبمنزلة كتابة ألف الصلاة ، والزكاة ، والحياة ، والرّبا بالواو في موضع الألف وما قرأوها إلاّ بألِفاتها .
وتأكيد السحرة كونَ موسى وهارون ساحرين بحرف ( إنّ ) لتحقيق ذلك عند من يخامره الشكّ في صحّة دعوتهما .
وجعل ما أظهره موسى من المعجزة بين يدي فرعون سحراً لأنّهم يطلقون السحر عندهم على خوارق العادات ، كما قالت المرأة الّتي شاهدت نبع الماء من بين أصابع النبي لقومها : جئتكم من عندِ أسْحر النّاس ، وهو في كتاب المغازي من « صحيح البخاري » .
والقائلون : قد يكون بعضهم ممن شاهد ما أتى به موسى في مجلس فرعون ، أو ممن بلغهم ذلك بالتسامع والاستفاضة .
والخطاب في قوله { أن يُخْرِجَاكُم } لملئهم . ووجه اتهامهما بذلك هو ما تقدم عند قوله تعالى : { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى } [ طه : 57 ] . ونزيد هنا أن يكون هذا من النجوى بين السحرة ، أي يريدانِ الاستئثار بصناعة السحر في أرضكم فتخرجوا من الأرض بإهمال الناس لكم وإقبالهم على سحر موسى وهارون .
والطريقة : السُّنّة والعادة ؛ شبهت بالطريق الذي يسير فيه السائر ، بجامع الملازمة .
والمثلى : مؤنّث الأمثل . وهو اسم تفضيل مشتقّ من المَثَالة ، وهي حسن الحالة يقال : فلان أمثل قومِه ، أي أقربهم إلى الخير وأحسنهم حالاً .
وأرادوا من هذا إثارة حمية بعضهم غيرة على عوائدهم ، فإن لكلّ أمّة غيرة على عوائدها وشرائعها وأخلاقها . ولذا فرّعوا على ذلك أمرهم بأن يجمعوا حيلهم وكل ما في وسعهم أن يغلبوا به موسى .
والباء في { بطريقتكم } لتعدية فعل { يذهبا } . والمعنى : يُذهبانها ، وهو أبلغ في تعلّق الفعل بالمفعول من نصب المفعول . وتقدّم عند قوله تعالى : { ذهب الله بنورهم } في سورة البقرة ( 17 ) .
وجعل بعضهم يحمس بعضا ، وراحوا يهيجون في المترددين الخوف من موسى وهارون ، اللذين يريدان الاستيلاء على مصر وتغيير عقائد أهلها ؛ مما يوجب مواجهتهما يدا واحدة بلا تردد ولا نزاع . واليوم هو يوم المعركة الفاصلة والذي يغلب فيها الفالح الناجح :
( قالوا : إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى .
قوله تعالى : " إن هذان لساحران " قرأ أبو عمرو " إن هذين لساحران " . ورويت عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة ، وكذلك قرأ الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم من التابعين ؛ ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم الجحدري ، فيما ذكر النحاس . وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف . وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه " إن هذان " بتخفيف " إن " " لساحران " وابن كثير يشدد نون " هذان " . وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب ، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران . وقرأ المدنيون والكوفيون " إن هذان " بتشديد " إن " " لساحران " فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب . قال النحاس : فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة ، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ " إن هذان إلا ساحران " وقال الكسائي في قراءة عبد الله : " إن هذان ساحران " بغير لام ، وقال الفراء في حرف أبي " إن هذان إلا ساحران " فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف .
قلت : وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الرد له ، والنحاس في إعرابه ، والمهدوي في تفسيره ، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض . وقد خطأها قوم حتى قال أبو عمرو : إني لأستحي من الله أن اقرأ " إنَّ هذان " وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى " لكن الراسخون في العلم{[11109]} " ثم قال : " والمقيمين " وفي " المائدة " " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون " [ المائدة : 69 ] و " إن هذان لساحران " فقالت : يا ابن أختي ! هذا خطأ من الكاتب . وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم . وقال أبان بن عثمان : قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان ، فقال لحن وخطأ ، فقال له قائل : ألا تغيروه ؟ فقال : دعوه فإنه لا يحرم حلالا ولا يحلل حرما . القول الأول من الأقوال الستة أنها لغة بني الحرث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف ؛ يقولون : جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان ، ومنه قوله تعالى : " ولا أدراكم به " [ يونس : 16 ] على ما تقدم{[11110]} . وأنشد الفراء لرجل من بني أسد{[11111]} - قال : وما رأيت أفصح منه :
فأطرق إطراقَ الشجاع ولو يرى *** مَسَاغًا لِنَابَاهُ الشجاع لَصَمَّمَا{[11112]}
ويقولون : كسرت يداه وركبت علاه ، بمعنى يديه وعليه ، قال شاعرهم{[11113]} :
تَزَوَّدَ منا بينَ أُذْنَاهُ ضربةً *** دعته إلى هَابِي التُّرَابِ عقيمِ
وقال آخر{[11114]} :
طاروا عَلاَهُنَّ فَطِرْ عَلاَهَا
وقال آخر{[11115]} :
إن أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها
أي إن أبا أبيها وغايتها . قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية ؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة ، وقد حكاها من يرتضى علمه وأمانته ، منهم أبو زيد الأنصاري ، وهو الذي يقول : إذا قال سيبويه حدثني من أثق به فإنما يعنيني ، وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة ، والكسائي والفراء كلهم قالوا هذا على لغة بني الحرث بن كعب . وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة . المهدوي : وحكى غيره أنها لغة لخثعم . قال النحاس ومن أبين ما في هذا قول سيبويه : واعلم أنك إذا ثنيت الواحد زدت عليه زائدتين ، الأولى منهما حرف مد ولين وهو حرف الإعراب ، قال أبو جعفر فقول سيبويه : وهو حرف الإعراب ، يوجب أن الأصل ألا يتغير ، فيكون " إن هذان " جاء على أصله ليعلم ذلك ، وقد قال تعالى " استحوذ عليهم الشيطان " {[11116]} [ المجادلة : 19 ] ولم يقل استحاذ ، فجاء هذا ليدل على الأصل ، وكذلك " إن هذان " ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذا كان الأئمة قد رووها . القول الثاني أن يكون " إن " بمعنى نعم ، كما حكى الكسائي عن عاصم قال : العرب تأتي ب " إن " بمعنى نعم ، وحكى سيبويه أن " إن " تأتي بمعنى أجل ، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان ، قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه . الزمخشري : وقد أعجب به أبو إسحاق . النحاس : وحدثنا علي بن سليمان ، قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوري ، ثم لقيت عبد الله بن أحمد [ هذا ] فحدثني ، قال حدثني عمير بن المتوكل ، قال حدثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حرث بن عبد المطلب ، قال حدثنا عمر بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - وهو ابن الحسين - عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين ، قال : لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره : " إن الحمد لله نحمده ونستعينه " ثم يقول : " أنا أفصح قريش كلها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص " قال أبو محمد الخفاف قال عمير : إعرابه عند أهل العربية والنحو " إن الحمد لله " بالنصب إلا أن العرب تجعل " إن " في معنى نعم كأنه أراد صلى الله عليه وسلم ، نعم الحمد لله ، وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم . وقال الشاعر في معنى نعم :
قالوا : غدرت ، فقلت : إن ، وربما *** نال العلا وشفى الغليلَ الغادرُ
بَكَرَ العواذلُ في الصبا *** ح يلُمْنَنِي وألُومُنَّهْ
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلاَ *** ك وقد كَبِرْتَ فقلت : إنَّهْ
فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عز وجل : " إن هذان ساحران " بمعنى نعم ولا تنصب . قال النحاس : أنشدني داود بن الهيثم ، قال أنشدني ثعلب :
ليت شعري هل للمحب شفاء*** من جَوَى حبّهن إنّ اللقاء
قال النحاس : وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئا لأنه إنما يقال : نعم زيد خارج ، ولا تكاد تقع اللام ها هنا ، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك فقالوا : اللام ينوى بها التقديم ، كما قال :
خالي لأنتَ ومن جريرٌ خالُه *** يَنلِ العَلاَءَ ويُكْرِمِ الأخوالا
أمُّ الحُلَيْسِ لعجوزٌ شَهْرَبَهْ *** ترضَى من الشَّاةِ بعظم الرَّقَبَهْ
أي لخالي ولأم الحليس ، وقال الزجاج : والمعنى في الآية إن هذان لهما ساحران ثم حذف المبتدأ . المهدوي : وأنكره أبو علي وأبو الفتح بن جني . قال أبو الفتح : " هما " المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عرف ، وإذا كان معروفا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام ، ويقبح أن تحذف المؤكد وتترك المؤكد . القول الثالث : قاله الفراء أيضا : وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل فزدت عليها نونا ولم أغيرها ، كما قلت : " الذي " ثم زدت عليه نونا ، فقلت : جاءني الذين عندك ، ورأيت الذين عندك ، ومررت بالذين عندك . القول الرابع : قاله بعض الكوفيين قال الألف في " هذان " مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير . القول الخامس : قال أبو إسحاق : النحويون القدماء يقولون : الهاء ها هنا مضمرة ، والمعنى إنه هذان لساحران ، قال ابن الأنباري : فأضمرت الهاء التي هي منصوب " إن " و " هذان " خبر " إن " و " ساحران " يرفعها " هما " المضمر [ والتقدير ] إنه هذان لهما ساحران . والأشبه{[11117]} عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم " إن " و " هذان " رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء . القول السادس : قال أبو جعفر النحاس : وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية ، فقال : إن شئت أجبتك بجواب النحويين ، وإن شئت أجبتك بقولي ، فقلت بقولك ، فقال : سألني إسماعيل بن إسحاق عنها ، فقلت : القول عندي أنه لما كان يقال " هذا " في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة ، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحدة ، فقال ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس به ، قال ابن كيسان : فقلت له : فيقول القاضي به حتى يؤنس به ، فتبسم .
قوله تعالى : " يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى " هذا من قول فرعون للسحرة ، أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه ، كما قال فرعون " إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " {[11118]} [ غافر : 26 ] . ويقال فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب . وقيل : طريقة القوم أفضل القول ، وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به ، فالمعنى : ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم ، استمالة لهم . أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولا لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء . أيذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف . و " المثلى " تأنيث الأمثل ، كما يقال الأفضل والفضلى . وأنث الطريقة على اللفظ ، وإن كان يراد بها الرجال . ويجوز أن يكون التأنيث على الجماعة . وقال الكسائي : " بطريقتكم " بسنتكم وسمتكم . و " المثلى " نعت كقولك امرأة كبرى . تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم .