الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ} (63)

{ قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } قرأ عبد الله : وأسرّوا النجوى . إن هذان ساحران بفتح الألف وجزم نونه ساحران بغير لام ، وقرأ ابن كثير وحفص إن بكسر الألف وجزم النون هذان بالألف على معنى ما هذان إلاّ ساحران ، نظيره : قوله

{ وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } [ الشعراء : 186 ] قال الشاعر :

ثكلتك أُمكّ إن قتلتَ لمُسلماً *** حلّت عليك عقوبة الرَّحْمن

يعني ما قتلت إلاّ مسلماً ، يدل على صحة هذه القراءة قراءة أُبي بن كعب : إن ذان إلاّ ساحران ، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمر بن علاء : إن هذين لساحران بالياء على الأصل ، قال أبو عمرو : وإني لإستحي من الله أن أقرأ إنّ هذان ، وقرأ الباقون : إنّ بالتشديد هذان بالألف واختلفوا فيه ، فقال قوم بما أخبرنا أبو بكر بن عبدوس وعبد الله بن حامد قالا : حدَّثنا أبو العباس الأصم قال : حدَّثنا محمد بن الجهم السمري قال : حدَّثنا الفرّاء قال : حدَّثني أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن قوله سبحانه في النساء

{ لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ } [ النساء : 162 ]

{ وَالْمُقِيمِينَ } [ النساء : 162 ] وعن قوله في المائدة

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ } [ المائدة : 69 ] وعن قوله { إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } [ طه : 63 ] فقالت : يا بن أخي هذا خطأ من الكاتب .

وقال عثمان بن عفان : إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتهم .

وقال أبان : قرئت هذه الآية عند عثمان فقال : لحن وخطأ ، فقيل له : ألم تغيّره فقال : دَعُوه فإنّه لا يُحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً ، وقال آخرون : هذه لغة الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة يجعلون الأسمين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف .

قال الفرّاء : أنشدني رجل من بني الأسد وما رأيت افصح منه .

وأطرق إطراق الشجاع ولو ترى *** مساغاً لناباه الشجاع لصمما

ويقولون : كسرت يداه ، وركبت علاه ، بمعنى يديه وعليه . وقال الشاعر :

تزوّد منّا بين أُذناه ضربة *** دعته إلى هابي التراب عقيم

أراد بين أُذنيه . وقال آخر :

أي قلوص راكب نراها *** طاروا علاهنّ فطر علاها

أي عليهن وعليها . وقال آخر :

إنَّ أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها

وروي أنّ أعرابياً سأل ابن الزبير شيئا فحرّمه فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال ابن الزبير : إن وصاحبها ، يعني نعم . وقال الشاعر :

بكرتْ عليّ عواذلي يلحينني وألو مهنَّه *** ويقلن شيبٌ قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه

أي نعم ، وقال الفراّء : وفيه وجه آخر : وهو أن يقول : وجدت الألف دعامة من هذا على حالها لا تزول في كل حال ، كما قالت العرب : الذي ثمَّ زادوا نوناً يدلّ على الجمع فقالوا : الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم وكناية تقول : اللَّذوُنَ .

{ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ } مصر { بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى } حدَّث الشعبي عن عليّ قال : يصرفا وجوه الناس إليهما وهي بالسريانية .

وقال ابن عباس : يعني بسراة قومكم وأشرافكم وقال مقاتل والكلبي : يعني الأمثل فالأمثل من ذوي الرأي والعقول .

وقال عكرمة : يعني يذهب أخياركم .

وقال قتادة : طريقتكم المُثلى يومئذ ، بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عدداً يومئذ وأموالاً ، فقال عدو الله : إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما .

وقال الكسائي : بطريقتكم يعني بسنّتكم وهديكم وسمتكم ، والمثلى نعت للطريقة ، كقولك امرأة كبرى ، تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى يعني على الهدى المستقيم .

قال الشاعر :

فكم متفرقين منوا بجهل *** حدى بهم إلى زيغ فراغوا

وزِيغ بهم عن المثلى فتاهوا *** وأورطهم مع الوصل الرداغُ

فزلّت فيه أقدام فصارت *** إلى نار غلا منها الدماغ

والمثلى تأنيث الأمثل .