التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ} (64)

وقرأ الجمهور { فأجمِعوا } بهمزة قطع وكسر الميم أمراً من : أجمع أمره ، إذا جعله متفقاً عليه لا يختلف فيه .

وقرأ أبو عمرو { فاجمَعوا } بهمزة وصل وبفتح الميم أمراً من جمع ، كقوله فيما مضى { فجَمَع كيْدَه } [ طه : 60 ] . أطلق الجمع على التعاضد والتعاون ، تشبيهاً للشيء المختلف بالمتفرّق ، وهو مقابل قوله { فتنازعوا أمرهم } .

وسموا عملهم كيداً لأنهم تواطئوا على أن يظهروا للعامة أن ما جاء به موسى ليس بعجيب ، فهم يأتون بمثله أو أشدّ منه ليصرفوا الناس عن سماع دعوته فيكيدوا له بإبطال خصيصية ما أتى به .

والظاهر أنّ عامة الناس تسامعوا بدعوة موسى ، وما أظهره الله على يديه من المعجزة ، وأصبحوا متحيّرين في شأنه ؛ فمن أجل ذلك اهتمّ السحرة بالكيد له ، وهو ما حكاه قوله تعالى : في آية سورة الشعراء ( 38 40 ) : { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } .

ودبروا لإرهاب الناس وإرهاب موسى وهارون بالاتفاق على أن يأتوا حين يتقدمون لإلقاء سحرهم مصطفين لأن ذلك أهيبُ لهم .

ولم يزل الذين يرومون إقناع العموم بأنفسهم يتخيّرون لذلك بَهاء الهيبة وحسن السمت وجلال المظهر . فكان من ذلك جلوس الملوك على جلود الأسود ، وربما لبس الأبطال جلود النمور في الحرب . وقد فسر به فعل تنمّروا في قول ابن معد يكرب :

قوم إذا لبِسوا الحديد *** تنَمروا حَلَقاً وقَدّاً

وقيل : إن ذلك المراد من قولهم الجاري مجرى المثل لبس لي فلان جلد النمر . وثبت في التاريخ المستند للآثار أنّ كهنة القبط في مصر كانوا يلبسون جلود النمور .

والصفّ : مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول ، أي صافّين أو مصفوفين ، إذا ترتبوا واحد حذو الآخر بانتظام بحيث لا يكونون مختلطين ، لأنهم إذا كانوا الواحد حذو الآخر وكان الصف منهم تلو الآخر كانوا أبهر منظراً ، قال تعالى : { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً } [ الصفّ : 4 ] . وكان جميع سحرة البلاد المصريّة قد أحضروا بأمر فرعون فكانوا عدداً كثيراً . فالصفّ هنا مراد به الجنس لا الواحدة ، أي ثم ائتوا صفوفاً ، فهو كقوله تعالى : { يوم يقوم الروح والملائكة صفاً } [ النبأ : 38 ] وقال : { والملك صفاً صفاً } [ الفجر : 22 ] .

وانتصب { صَفّاً } على الحال من فاعل { ائتُوا } والمقصود الإتيان إلى موضع إلقاء سحرهم وشعوذتهم ، لأنّ التناجي والتآمر كان في ذلك اليوم بقرينة قولهم { وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَننِ اسْتَعلَى } .

وجملة { وقَدْ أفلحَ اليومَ مَنِ استَعْلى } تذييل للكلام يجمع ما قصدوه من تآمرهم بأن الفلاح يكون لمن غلب وظهر في ذلك الجمع . ف { استعلى } مبالغة في عَلا ، أي علا صاحبَه وقهره ، فالسين والتاء للتأكيد مثل استأخر .

وأرادوا الفلاح في الدنيا لأنّهم لم يكونوا يؤمنون بأنّ أمثال هذه المواقف مما يؤثر في حال الحياة الأبديّة وإن كانوا يؤمنون بالحياة الثانية .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ} (64)

فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا . وقد أفلح اليوم من استعلى ) . .

وهكذا تنزل الكلمة الصادقة الواحدة الصادرة عن عقيدة ، كالقذيفة في معسكر المبطلين وصفوفهم ، فتزعزع اعتقادهم في أنفسهم وفي قدرتهم ، وفي ما هم عليه من عقيدة وفكرة . وتحتاج إلى مثل هذا التحميس والتشجيع . وموسى وأخوه رجلان اثنان ، والسحرة كثيرون ، ووراءهم فرعون وملكه وجنده وجبروته وماله . . ولكن موسى وهارون كان معهما ربهما يسمع ويرى . .

ولعل هذا هو الذي يفسر لنا تصرف فرعون الطاغية المتجبر ، وموقف السحرة ومن ورائهم فرعون . فمن هو موسى ومن هو هارون من أول الأمر حتى يتحداهما فرعون ويقبل تحديهما ؛ ويجمع كيده ثم يأتي ، ويحشر السحرة ويجمع الناس ؛ ويجلس هو والملأ من قومه ليشهدوا المباراة ? وكيف قبل فرعون أن يجادله موسى ويطاوله ? وموسى فرد من بني إسرائيل المستعبدين المستذلين تحت قهره ? . . إنها الهيبة التي ألقاها الله على موسى وهارون وهو معهما يسمع ويرى . .

وهي كذلك التي جعلت جملة واحدة توقع الارتباك في صفوف السحرة المدربين ، فتحوجهم إلى التناجي سرا ؛ وإلى تجسيم الخطر ، واستثارة الهمم ، والدعوة إلى التجمع والترابط والثبات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ} (64)

قوله تعالى : " فأجمعوا كيدكم " الإجماع الإحكام والعزم على الشيء . تقول : أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت . وقراءة كل الأمصار " فأجمعوا " إلا أبا عمرو فإنه قرأ " فاجمعوا " بالوصل وفتح الميم . واحتج بقوله : " فجمع كيده ثم أتى " . قال النحاس وفيما حكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال : يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه ، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس . قال : لأنه احتج ب " جمع " وقوله عز وجل : " فجمع كيده " قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده " فاجمعوا " ويقرب أن يكون بعده " فأجمعوا " أي اعزموا وجدوا ، ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه يقال : أمر مجمع ومجمع عليه . قال النحاس : ويصحح قراءة أبي عمرو " فاجمعوا " أي اجمعوا كل كيد لكم وكل حيلة فضموه مع أخيه . وقاله أبو إسحاق . الثعلبي : القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان : أحدهما : بمعنى الجمع ، تقول : أجمعت الشيء جمعته بمعنى واحد ، وفي الصحاح : وأجمعت الشيء جعلته جميعا ، قال أبو ذؤيب يصف حُمُرا :

فكأنها بالجِزْعِ بين نُبَايِع{[11119]} *** وأولاتِ ذي العرجاء نَهْبٌ مُجْمَعُ

أي مجموع . والثاني : أنه بمعنى العزم والإحكام ، قال الشاعر :

يا ليت شعري والمُنَى لا تَنفعُ *** هل أغدون يوما وأمري مجمع

أي محكم . " ثم ائتوا صفا " قال مقاتل والكلبي : جميعا . وقيل : صفوفا ليكون أشد لهيبتكم وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة ، قال يقال : أتيت الصف يعني المصلى ، فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد . وحكي عن بعض فصحاء العرب : ما قدرت أن آتي الصف ، يعني المصلى . وقال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون ، فيكون على هذا مصدرا في موضع الحال . ولذلك لم يجمع . وقرئ " ثم ايتوا " بكسر الميم وياء . ومن ترك الهمزة أبدل من الهمزة ألفا . " وقد أفلح اليوم من استعلى " أي من غلب . وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض . وقيل : من قول فرعون لهم .


[11119]:نبايع: اسم مكان أو جبل أو واد في بلاد هذيل، ويجمع على "نبايعات".