هذه الآية مخصّصة لقوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } إلى قوله : { على عورات النساء } [ النور : 31 ] .
ومناسبة هذا التخصيص هنا أنه وقع بعد فرض الاستيذان في الأوقات التي يضع الرجال والنساء فيها ثيابهم عن أجسادهم ، فعطف الكلام إلى نوع من وضع الثياب عن لابسها وهو وضع النساء القواعد بعض ثيابهن عنهن فاستثني من عموم النساء النساءُ المتقدمات في السن بحيث بلغن إبان الإياس من المحيض فرخص لهن أن لا يضربن بخمرهن على جيوبهن ، وأن لا يدنين عليهن من جلابيبهن . فعن ابن مسعود وابن عباس : الثياب الجلباب ، أي الرداء والمقنعة التي فوق الخمار . وقال السدي : يجوز لهن وضع الخمار أيضاً .
والقواعد : جمع قاعد بدون هاء تأنيث مثل : حامل وحائض لأنه وصف نُقل لمعنى خاص بالنساء وهو القعود عن الولادة وعن المحيض . استعير القعود لعدم القدرة لأن القعود يمنع الوصول إلى المرغوب وإنما رغبة المرأة في الولد والحيضُ من سبب الولادة فلما استعير لذلك وغلب في الاستعمال صار وصف قاعد بهذا المعنى خاصّاً بالمؤنث فلم تلحقه هاء التأنيث لانتفاء الداعي إلى الهاء من التفرقة بين المذكر والمؤنث وقد بينه قوله : { اللاتي لا يرجون نكاحاً } ، وذلك من الكبر .
وقوله : { اللاتي لا يرجون نكاحاً } وصف كاشف ل { القواعد } وليس قيداً .
واقترن الخبر بالفاء في قوله { فليس عليهن جناح } لأن الكلام بمعنى التسبب والشرطية ، لأن هذا المبتدأ يشعر بترقب ما يرد بعده فشابه الشرط كما تقدم في قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] . ولا حاجة إلى ادعاء أن ( ال ) فيه موصولة إذ لا يظهر معنى الموصول لحرف التعريف وإن كثر ذلك في كلام النحويين . و { أن يضعن } متعلق ب { جناح } بتقدير ( في ) .
والمراد بالثياب بعضها وهو المأمور بإدنائه على المرأة بقرينة مقام التخصيص .
والوضع : إناطة شيء على شيء ، وأصله أن يعدى بحرف ( على ) وقد يعدى بحرف ( عن ) إذا أريد أنه أزيل عن مكان ووضع على غيره وهو المراد هنا كفعل ( ترغبون ) في قوله تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } في سورة النساء ( 127 ) ، أي أن يزلن عنهن ثيابهن فيضعنها على الأرض أو على المشجب . وعلة هذه الرخصة هي أن الغالب أن تنتفي أو تقل رغبة الرجال في أمثال هذه القواعد لكبر السن . e فلما كان في الأمر بضرب الخُمُر على الجيوب أو إدناء الجلابيب كلفة على النساء المأمورات اقتضاها سد الذريعة ، فلما انتفت الذريعة رفع ذلك الحكم رحمة من الله ، فإن الشريعة ما جعلت في حكم مشقة لضرورة إلا رفعت تلك المشقة بزوال الضرورة وهذا معنى الرخصة .
ولذلك عقب هذا الترخيص بقوله : { وأن يستعففن خير لهن } .
والاستعفاف : التعفف ، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب ، أي تعففهن عن وضع الثياب عنهن أفضل لهن ولذلك قيد هذا الإذن بالحال وهو { غير متبرجات بزينة } أي وضعاً لا يقارنه تبرج بزينة .
والتبرج : التكشف . والباء في { بزينة } للملابسة فيؤول إلى أن لا يكون وضع الثياب إظهاراً لزينة كانت مستورة . والمراد : إظهار ما عادة المؤمنات ستره . قال تعالى : { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } [ الأحزاب : 33 ] ، فإن المرأة إذا تجلت بزينة من شأنها إخفاؤها إلا عن الزوج فكأنها تعرض باستجلاب استحسان الرجال إياها وإثارة رغبتهم فيها ، وهي وإن كانت من القواعد فإن تعريضها بذلك يخالف الآداب ويزيل وقار سنها ، وقد يرغب فيها بعض أهل الشهوات لما في التبرج بالزينة من الستر على عيوبها أو الإشغال عن عيوبها بالنظر في محاسن زينتها .
فالتبرج بالزينة : التحلي بما ليس من العادة التحلي به في الظاهر من تحمير وتبييض وكذلك الألوان النادرة ، قال بشار :
وإذا خرجتتِ تقنَّعي *** بالحُمْر إن الحسن أحمر
وسألت عائشة أم المؤمنين عن الخضاب والصباغ والتمايم ( أي حقاق من فضة توضع فيها تمايم ومعاذات تعلقها المرأة ) والقرطين والخَلخَال وخاتم الذهب ورقاق الثياب فقالت : « أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرَّماً » . فأحالت الأمر على المعتاد والمعروف ، فيكون التبرج بظهور ما كان يحجبه الثوب المطروح عنها كالوشام في اليد أو الصدر والنقش بالسواد في الجيد أو الصدر المسمى في تونس بالحرقوص ( غير عربية ) . وفي « الموطإ » : « دخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خماراً كثيفاً » أي شقته لئلا تختمر به فيما بعد .
وقيل : إن المعنيَّ بقوله : { غير متبرجات بزينة } غير منكشفات من منازلهن بالخروج في الطريق ، أي أن يضعن ثيابهن في بيوتهن ، أي فإذا خرجت فلا يحل لها ترك جلبابها ، فيؤول المعنى ، إلى أن يضعن ثيابهن في بيوتهن ، ويكون تأكيداً لما تقدم في قوله تعالى : { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } [ النور : 31 ] أي كونهن من القواعد لا يقتضي الترخيص لهن إلا في وضع ثيابهن وضعاً مجرداً عن قصد ترغيب فيهن .
وجملة : { والله سميع عليم } مسوقة مساق التذييل للتحذير من التوسع في الرخصة أو جعلها ذريعة لما لا يحمد شرعاً ، فوصف « السميع » تذكير بأنه يسمع ما تحدثهن به أنفسهن من المقاصد ، ووصف « العليم » تذكير بأنه يعلم أحوال وضعهن الثياب وتبرجهن ونحوها .
ولقد سبق الأمر كذلك بإخفاء زينة النساء منعا لإثارة الفتن والشهوات . فعاد هنا يستثني من النساء القواعد اللواتي فرغت نفوسهن من الرغبة في معاشرة الرجال ؛ وفرغت أجسامهن من الفتنة المثيرة للشهوات :
( والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ؛ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن - غير متبرجات بزينة - وأن يستعففن خير لهن ؛ والله سميع عليم ) . .
فهؤلاء القواعد لا حرج عليهن أن يخلعن ثيابهن الخارجية ، على ألا تنكشف عوراتهن ولا يكشفن عن زينة . وخير لهن أن يبقين كاسيات بثيابهن الخارجية الفضفاضة . وسمي هذا استعفافا . أي طلبا للعفة وإيثارا لها ، لما بين التبرج والفتنة من صلة ؛ وبين التحجب والعفة من صلة . . وذلك حسب نظرية الإسلام في أن خير سبل العفة تقليل فرص الغواية ، والحيلولة بين المثيرات وبين النفوس .
( والله سميع عليم ) . . يسمع ويعلم ، ويطلع على ما يقوله اللسان ، وما يوسوس في الجنان . والأمر هنا أمر نية وحساسية في الضمير .
الأولى-قوله تعالى : " والقواعد من النساء " القواعد واحدتها قاعد ، بلا هاء ، ليدل حذفها على أنه قعود الكبر ، كما قالوا : امرأة حامل ؛ ليدل بحذف الهاء أنه حمل حبل . قال الشاعر :
فلو أن ما في بطنه بين نِسْوَةٍ *** حَبِلْنَ وإن كنّ القواعدُ عُقرا
وقالوا في غير ذلك : قاعدة في بيتها ، وحاملة على ظهرها ، بالهاء . والقواعد أيضا : أساس البيت واحدة قاعدة ، بالهاء .
الثانية-القواعد : العُجَّز اللواتي قعدن عن التصرف من السن ، وقعدن عن الولد والمحيض ، هذا قول أكثر العلماء . قال ربيعة : هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كبرها . وقال أبو عبيدة : اللاتي قعدن عن الولد ، وليس ذلك بمستقيم ؛ لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمتع ، قاله المهدوي .
الثالثة-قوله تعالى : " فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن " إنما خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن ؛ إذ لا يذهب للرجال فيهن ، فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن ، وأزيل عنهم كلفة التحفظ المتعب لهن .
الرابعة-قرأ ابن مسعود وأبي وابن عباس " أن يضعن من ثيابهن " بزيادة " من " قال ابن عباس : وهو الجلباب . وروي عن ابن مسعود أيضا " من جلابيبهن " والعرب تقول : امرأة واضع ، للتي كبرت فوضعت خمارها . وقال قوم : الكبيرة التي أيست من النكاح ، لو بدا شعرها فلا بأس ، فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار . والصحيح أنها كالشابة في التستر ، إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار ، قاله ابن مسعود وابن جبير وغيرهما .
الخامسة-قوله تعالى : " غير متبرجات بزينة " أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن ، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق . والتبرج : التكشف والظهور للعيون ، ومنه : بروج مشيدة . وبروج السماء والأسوار ، أي لا حائل دونها يسترها . وقيل لعائشة رضي الله عنها : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في الخضاب والصباغ والتمائم والقرطين والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب ؟ فقالت : يا معشر النساء ، قصتكن قصة امرأة واحدة ، أحل الله لكنّ الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكنّ أن يروا منكن محرما . وقال عطاء : هذا في بيوتهن ، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب . وعلى هذا " غير متبرجات " غير خارجات من بيوتهن . وعلى هذا يلزم أن يقال : إذا كانت في بيتها فلا بدلها من جلباب فوق الدرع ، وهذا بعيد ، إلا إذا دخل عليها أجنبي . ثم ذكر تعالى أن تحفظ الجميع منهن ، واستعفافهن عن وضع الثياب والتزامهن ما يلزم الشباب أفضل لهن وخير . وقرأ ابن مسعود " وأن يتعففن " بغير سين . ثم قيل : من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها . روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) . قال ابن العربي : وإنما جعلهن كاسيات ؛ لأن الثياب عليهن وإنما وصفهن بأنهن عاريات ؛ لأن الثواب إذا رق يصفهن ، ويبدي محاسنهن ، وذلك حرام .
قلت : هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى . والثاني : أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله تعالى فيه : " ولباس التقوى ذلك خير " {[12066]} . وأنشدوا :
إذا المرء لم يلبَسْ ثياباً من التقى *** تقلّب عُرْيَانًا وإن كان كاسِيا
وخيرُ لباس المرء طاعةُ ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي{[12067]} وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره ) قالوا : ماذا أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( الدين ) . فتأويله صلى الله عليه وسلم القميص بالدين مأخوذ من قوله تعالى : " ولباس التقوى ذلك خير " . والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب ، كما قال شاعرهم :
ثياب بني عَوْف طَهَارى نَقِيَّة{[12068]}
وقد قال صلى الله عليه وسلم لعثمان : ( إن الله سيلبسك قميصا فإن أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه ) . فعبر عن الخلافة بالقميص وهي استعارة حسنة معروفة .
قلت : هذا التأويل أصح التأويلين ، وهو اللائق بهن في هذه الأزمان ، وخاصة الشباب ، فإنهن يتزين ويخرجن متبرجات ، فهن كاسيات بالثياب عاريات من التقوى حقيقة ، ظاهرا وباطنا ، حيث تبدي زينتها ، ولا تبالي بمن ينظر إليها ، بل ذلك مقصودهن ، وذلك مشاهد في الوجود منهن ، فلو كان عندهن شيء من التقوى لما فعلن ذلك ، ولم يعلم أحد ما هنالك . ومما يقوي هذا التأويل ما ذكر من وصفهن في بقية الحديث في قوله : ( رؤوسهن كأسنمة البخت ) . والبخت ضرب من الإبل عظام الأجسام ، عظام الأسنمة ، شبه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن . وهذا مشاهد معلوم ، والناظر إليهن ملوم . قال صلى الله عليه وسلم : ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) . خرجه البخاري .