التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (31)

{ مُنِيبِينَ } حال من ضمير { فَأقِمْ } [ الروم : 30 ] للإشارة إلى أن الخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مراد منه نفسه والمؤمنون معه كما تقدم .

والمنيب : الملازم للطاعة . ويظهر أن معنى أناب صار ذا نوبة ، أي ذا رجوع متكرر وأن الهمزة فيه للصيرورة ، والنوبة : حصة من عمل يتوزعه عدد من الناس وأصلها : فَعْلَة بصيغة المرة لأنها مرة من النَّوْب وهو قيام أحد مقام غيره ، ومنه النيابة ، ويقال : تناوبوا عمل كذا . وفي حديث عمر : « كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوماً وأنزل يوماً » الحديث ، فإطلاق المنيب على المطيع استعارة لتعهد الطاعة تعهداً متكرراً ، وجعلت تلك الاستعارة كناية عن مواصلة الطاعة وملازمتها قال تعالى : { إن إبراهيم لحليم أوّاه مُنيب } في سورة هود ( 75 ) . وفسّرت الإنابة أيضاً بالتوبة . وقد قيل : إن ناب مرادف تاب ، وهو المناسب لقوله في الآية الموالية { دعوا ربهم منيبين إليه } [ الروم : 33 ] . والأمر الذي في قوله { واتقوه وأقيموا الصلاة } مستعمل في طلب الدوام .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (31)

( منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا . كل حزب بما لديهم فرحون ) . .

فهي الإنابة إلى الله والعودة في كل أمر إليه . وهي التقوى وحساسية الضمير ومراقبة الله في السر والعلانية ؛ والشعور به عند كل حركة وكل سكنة . وهي إقامة الصلاة للعبادة الخالصة لله . وهي التوحيد الخالص الذي يميز المؤمنين من المشركين . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (31)

قوله تعالى : " منيبين إليه " اختلف في معناه ، فقيل : راجعين إليه بالتوبة والإخلاص . وقال يحيى بن سلام والفراء : مقبلين إليه . وقال عبد الرحمن بن زيد : مطيعين له . وقيل تائبين إليه من الذنوب{[12500]} ، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت :

فإن تابوا فإنَّ بنِي سليم *** وقومهم هوازن قد أنابوا

والمعنى واحد ، فإن " ناب وتاب وثاب وآب " معناه الرجوع . قال الماوردي : وفي أصل الإنابة قولان : أحدهما : أن أصله القطع ، ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع ، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عز وجل بالطاعة . الثاني : أصله الرجوع ، مأخوذ{[12501]} من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى ، ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة . الجوهري : وأناب إلى الله أقبل وتاب . والنوبة واحدة النوب ، تقول : جاءت نوبتك ونيابتك ، وهم يتناوبون النوبة فيما بينهم في الماء وغيره . وانتصب على الحال . قال محمد بن يزيد : لأن معنى : " أقم وجهك " فأقيموا وجوهكم منيبين . وقال الفراء : المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين . وقيل : انتصب على القطع ، أي فأقم وجهك أنت وأمتك المنيبين إليه ؛ لأن الأمر له ، أمر لأمته ؛ فحسن أن يقول منيبين إليه ، وقد قال الله تعالى : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " {[12502]} [ الطلاق : 1 ] . " واتقوه " أي خافوه وامتثلوا ما أمركم به . " وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين " بين أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص ؛ فلذلك قال : " ولا تكونوا من المشركين " {[12503]} وقد مضى هذا مبينا " في النساء{[12504]} والكهف " وغيرهما .


[12500]:لفظة " من الذنوب" ساقطة من ج.
[12501]:لفظة "مأخوذ" ساقطة من ج.
[12502]:راجع ج 18 ص 147.
[12503]:ما بين المربعين ساقط من ج.
[12504]:راجع ج 5 ص 180 و ج 11 ص 69.