تقدم نظير صدر هذه الآية في هذه السورة وأعيد هنا ليبنَى عليه قوله { وهو أهون عليه } تكملة للدليل إذ لم تذكر هذه التكملة هناك . فهذا ابتداء بتوجيه الكلام إلى المشركين لرجوعه إلى نظيره المسوق إليهم . وهذا أشبه بالتسليم الجدلي في المناظرة ، ذلك لأنهم لما اعترفوا بأن الله هو بادىءُ خلق الإنسان ، وأنكروا إعادته بعد الموت ، واستُدل عليهم هنالك بقياس المساواة ، ولما كان إنكارهم الإعادة بعد الموت متضمناً تحديد مفعول القدرة الإلهية جاء التنازل في الاستدلال إلى أن تحديد مفعول القدرة لو سلم لهم لكان يقتضي إمكان البعث بقياس الأحرى فإن إعادة المصنوع مرة ثانية أهون على الصانع من صنعته الأولى وأدخل تحت تأثير قدرته فيما تعارفه الناس في مقدوراتهم . فقوله { أهون } اسم تفضيل ، وموقعه موقع الكلام الموجَّه ، فظاهره أن { أهون } مستعمل في معنى المفاضلة على طريقة إرخاء العنان والتسليم الجدلي ، أي الخلق الثاني أسهل من الخلق الأول ، وهذا في معنى قوله تعالى { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } [ ق : 15 ] . ومراده : أن إعادة الخلق مرة ثانية مُساوية لبدْء الخلق في تعلق القدرة الإلهية ، فتحمل صيغة التفضيل على معنى قوة الفعل المصوغة له كقوله { قال ربّ السجنُ أحبُّ إليَّ مما يَدْعُونَني إليه } [ يوسف : 33 ] . وللإشارة إلى أن قوله { وهو أهون عليه } مجرد تقريب لأفهامهم عقب بقوله { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ، } أي ثبت له واستحق الشأن الأتم الذي لا يقاس بشؤون الناس المتعارفة وإنما لقصد التقريب لأفهامكم .
و { الأعلى } : معناه الأعظم البالغ نهاية حقيقة العظمة والقوة . قال حجة الإسلام في « الإحياء » : « لا طاقة للبشر أن ينفُذوا غَوْر الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضَوءَ الشمس ولكنهم ينالون منها ما تحيا به أبصارهم وقد تأنق بعضهم في التعبير عن وجه اللطف في إيصال معاني الكلام المجيد إلى فهم الإنسان لعلو درجة الكلام المجيد وقصور رتبة الأفهام البشرية فإن الناس إذا أرادوا أن يفهموا الدواب ما يريدون من تقديمها وتأخيرها ونحوه ورأوها تقصر عن فهم الكلام الصادر عن العقول مع حسنه وترتيبه نَزلوا إلى درجة تمييز البهائم وأوصلوا مقاصدهم إليها بأصواتتٍ يضعونها لائقة بها من الصفير ونحوه من الأصوات القريبة من أصواتها » اهـ .
وقوله { في السموات والأرض } صفة للمثل أو حال منه ، أي كان استحقاقه المثل الأعلى مستقراً في السماوات والأرض ، أي في كائنات السماوات والأرض ، فالمراد : أهلها ، على حدّ { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] ، أي هو موصوف بأشرف الصفات وأعظم الشؤون على ألسنة العقلاء وهي الملائكة والبشر المعتد بعقولهم ولا اعتداد بالمعطِّلين منهم لسخافة عقولهم وفي دلائل الأدلة الكائنة في السماوات وفي الأرض ، فكل تلك الأدلة شاهدة بأن لله المثل الأعلى . ومن جملة المثَل الأعلى عزته وحكمته تعالى ؛ فخُصّا بالذكر هنا لأنهما الصفتان اللتان تظهر آثارهما في الغرض المتحدث عنه وهو بدء الخلق وإعادته ؛ فالعزة تقتضي الغِنى المطلق فهي تقتضي تمام القدرة . والحكمة تقتضي عموم العلم . ومن آثار القدرة والحكمة أنه يعيد الخلق بقدرته وأن الغاية من ذلك الجزاء وهو من حكمته .
ثم يختم تلك الجولة الضخمة الهائلة اللطيفة العميقة بتقرير قضية البعث والقيامة التي يغفل عنها الغافلون :
( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده - وهو أهون عليه - وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم ) . .
وقد سبق في السورة تقرير البدء والإعادة ، وهو يعاد هنا بعد تلك الجولة العريضة ويضاف إليه جديد : ( وهو أهون عليه ) . . وليس شيء أهون على الله ولا أصعب . ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن . فيكون )ولكنه إنما يخاطب الناس بحسب إدراكهم ، ففي تقدير الناس أن بدء الخلق أصعب من إعادته ، فما بالهم يرون الإعادة عسيرة على الله . وهي في طبيعتها أهون وأيسر ? !
( وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ) . . فهو سبحانه ينفرد في السماوات والأرض بصفاته لا يشاركه فيها أحد ، وليس كمثله شيء ، إنما هو الفرد الصمد .
( وهو العزيز الحكيم ) . . العزيز القاهر الذي يفعل ما يريد . الحكيم الذي يدبر الخلق بإحكام وتقدير .
قوله تعالى : " وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده " أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته ، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث ، فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته ، استدلالا بالشاهد على الغائب ، ثم أكد ذلك بقوله " وهو أهون عليه " وقرأ ابن مسعود وابن عمر : " يبدئ الخلق " من أبدأ يبدئ ، دليله قوله تعالى : " إنه هو يبدئ ويعيد " {[12470]} [ البروج : 13 ] . ودليل قراءة العامة قوله سبحانه : " كما بدأكم تعودون " {[12471]} [ الأعراف : 29 ] . و " أهون " بمعنى هين ، أي الإعادة هين عليه ، قاله الربيع بن خثيم والحسن . فأهون بمعنى هين ؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء . قال أبو عبيدة : ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله تعالى : " وكان ذلك على الله يسيرا " [ النساء :30 ] وبقوله : " ولا يؤوده حفظهما " [ البقرة : 255 ] .
والعرب تحمل أفعل على فاعل ، ومنه قول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا *** بيتا دعائمُه أعزُّ وأطْوَلُ
أي دعائمه عزيزة طويلة . وقال آخر{[12472]} :
لعمرك ما أدري وإني لأوجل *** على أينا تعدو المنية أوَّلُ
أراد : إني لوجل . وأنشد أبو عبيدة أيضا :
إني لأمنحك الصدود وإنني *** قَسَمًا إليك مع الصدود لأَمْيَلُ{[12473]}
أراد لمائل . وأنشد أحمد بن يحيى :
تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإن أُمُتْ *** فتلك سبيلٌ لستُ فيهَا بأَوْحَدِ
لعمركَ إن الزِّبْرِقَانَ لباذل *** لمعروفه عند السنينَ وأفضل
أي وفاضل . ومنه قولهم : الله أكبر ، إنما معناه الله الكبير . وروى معمر عن قتادة قال : في قراءة عبد الله بن مسعود " وهو عليه هين " . وقال مجاهد وعكرمة والضحاك : إن المعنى أن الإعادة أهون عليه - أي على الله - من البداية ، أي أيسر ، وإن كان جميعه على الله تعالى هينا ، وقاله ابن عباس . ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده ، يقول : إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه ، فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم ، وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء . وقيل : الضمير في " عليه " للمخلوقين ، أي وهو أهون عليه ، أي على الخلق ، يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم : كونوا فيكونون ، فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنة ثم أطفالا ثم غلمانا ثم شبانا ثم رجالا أو نساء . وقاله ابن عباس وقطرب . وقيل أهون أسهل ، قال :
وهان على أسماء أن شَطَّتْ النَّوَى *** يحن إليها والهٌ ويتُوقُ
أي سهل عليها ، وقال الربيع بن خثيم في قوله تعالى : " وهو أهون عليه " قال : ما شيء على الله بعزيز . عكرمة : تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية . " وله المثل الأعلى " أي ما أراده جل وعز كان . وقال الخليل : المثل الصفة ، أي وله الوصف الأعلى " في السموات والأرض " كما قال : " مثل الجنة التي وعد المتقون " [ الرعد : 35 ] أي صفتها . وقد مضى الكلام في ذلك{[12474]} . وعن مجاهد : " المثل الأعلى " قول لا إله إلا الله ، ومعناه : أي الذي له الوصف الأعلى ، أي الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية . وكذا قال قتادة : إن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله ، ويعضده قوله تعالى : " ضرب لكم مثلا من أنفسكم " على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى . وقال الزجاج : " وله المثل الأعلى في السموات والأرض " أي قوله : " وهو أهون عليه " قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل ، يريد التفسير الأول . وقال ابن عباس : أي ليس كمثله شيء " وهو العزيز الحكيم " {[12475]} تقدم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.