الفاء مُرتِّبة الجملةَ الّتي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله : { أو من كان ميّتاً فأحييناه } [ الأنعام : 122 ] وما ترتَّب عليه من التّفاريع والاعتراض . وهذا التّفريع إبطال لتعلّلاتهم بعلّة { حتى نوتى مثل ما أوتي رسل الله } [ الأنعام : 124 ] ، وأنّ الله منعهم ما علّقوا إيمانَهم على حصوله ، فتفرّع على ذلك بيان السّبب المؤثّر بالحقيقة إيمانَ المؤمن وكُفْرَ الكافر ، وهو : هداية الله المؤمنَ ، وإضلالُه الكافرَ ، فذلك حقيقة التّأثير ، دون الأسباب الظّاهرة ، فيعرف من ذلك أنّ أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا ، حتّى يريد الله هدايتهم إلى الإسلام ، كما قال تعالى : { إنّ الذين حقّت عليهم كلمات ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية حتّى يَروا العذاب الأليم } [ يونس : 96 ، 97 ] وكما قال : { ولو أنَّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشَرْنا عليهم كلّ شيء قِبَلاً ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله } [ الأنعام : 111 ] .
والهدى إنَّما يتعلّق بالأمور النّافعة : لأنّ حقيقته إصابة الطريق الموصّل للمكان المقصود ، ومجازَه رشاد العقل ، فلذلك لم يحتج إلى ذكر متعلِّقه هنا لظهور أنَّه الهدى للإسلام ، مع قرينة قوله : { يشرح صدره للإسلام } ، وأمّا قوله : { فاهْدُوهم إلى صراط الجحيم } [ الصافات : 23 ] فهو تهكّم . والضّلال إنَّما يكون في أحوال مضرّة لأنّ حقيقته خطأ الطّريق المطلوب ، فلذلك كان مُشعراً بالضرّ وإن لم يذكر متعلّقه ، فهو هنا الاتّصاف بالكفر لأنّ فيه إضاعة خير الإسلام ، فهو كالضّلال عن المطلوب ، وإن كان الضّالّ غير طالب للإسلام ، لكنّه بحيث لو استقبَلَ من أمره ما استدبَر لطلبه .
والشّرْح حقيقته شقّ اللّحم ، والشّريحة القطعة من اللّحم تشقّ حتّى ترقّق ليقع شَيُّها . واستعمل الشّرح في كلامهم مجازاً في البيان والكشف ، واستعمل أيضاً مجازاً في انجلاء الأمر ، ويقين النّفس به ، وسكون البال للأمر ، بحيث لا يتردّد فيه ولا يغتمّ منه ، وهو أظهر التّفسيرين في قوله تعالى : { ألم نشرح لك صدرك } [ الشرح : 1 ] .
والصّدر مراد به الباطن ، مجازاً في الفهم والعقل بعلاقة الحلول ، فمعنى { يشرح صدره } يجعل لنفسه وعقله استعداداً وقبولاً لتحصيل الإسلام ، ويُوطّنه لذلك حتّى يسكن إليه ويرضى به ، فلذلك يشبَّه بالشّرح ، والحاصل للنّفس يسمّى انشراحاً ، يقال : لم تنشرح نفسي لكذا ، وانشرحتْ لكذا . وإذا حلّ نور التّوفيق في القلب كان القلب كالمتّسع ، لأنّ الأنوار توسّع مناظر الأشياء . روى الطّبري وغيره ، عن ابن مسعود : « أنّ ناساً قالوا : يا رسول الله كيف يشرحُ الله صدره للإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيه النّور فينفسح قالوا وهل لذلك من علامة يعرف بها قال الإنابة إلى دار الخلود ، والتنحّي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الفوت » .
ومعنى : { ومن يرد أن يضله } من يُرد دوام ضَلاله بالكفر ، أو من يُرد أن يضلّه عن الاهتداء إلى الإسلام ، فالمراد ضلال مستقبل ، إمَّا بمعنى دَوام الضلال الماضي ، وإمَّا بمعنى ضلال عن قبول الإسلام ، وليس المراد أن يضلّه بكفره القديم ، لأنّ ذلك قد مضى وتقرّر .
والضيِّقُ بتشديد الياء بوزن فَيْعِل مبالغة في وصف الشّيء بالضيّق ، يقال ضاق ضِيقاً بكسر الضاد وضَيقاً بفتحها والأشهر كسر الضاد في المصدر والأقيس الفتح ؛ ويقال بتخفيف الياء بوزن فَعْل ، وذلك مثل مَيِّت ومَيْت ، وهما وإن اختلفت زنتهما ، وكانت زنة فَيْعِل في الأصل تفيد من المبالغة في حصول الفعل ما لا تفيده زنة فَعْل ، فإنّ الاستعمال سوّى بينهما على الأصحّ . والأظهر أنّ أصل ضيِّق : بالتخفيف وصف بالمصدر ، فلذلك استويا في إفادة المبالغة بالوصف . وقرىء بهما في هذه الآية ، فقرأها الجمهور : بتشديد الياء ، وابن كثير : بتخفيفها . وقد استعير الضيِّق لضدّ ما استعير له الشّرح فأريد به الّذي لا يستعدّ لقبول الإيمان ولا تسكن نفسه إليه ، بحيث يكون مضطرب البال إذا عُرض عليه الإسلام ، وهذا كقوله تعالى : { حصرت صدورهم } وتقدّم في سورة النّساء ( 90 ) .
والحَرِج بكسر الراء صفة مشبّهة من قولهم : حَرِج الشّيء حرَجاً ، من باب فرح ، بمعنى ضاق ضيقاً شديداً ، فهو كقولهم : دَنِف ، وقَمِن ، وفَرِق ، وحَذِر ، وكذلك قرأه نافع ، وعاصم في رواية أبي بكر ، وأبو جعفر ، وأمّا الباقون فقرأوه بفتح الراء على صيغة المصدر ، فهو من الوصف بالمصدر للمبالغة ، فهو كقولهم : رجل دَنَف بفتح النّون وفَرَد بفتح الراء .
وإتْباع الضيِّق بالحرج : لتأكيد معنى الضيق ، لأنّ في الحرج من معنى شدّة الضّيق ما ليس في ضيق . والمعنى يجعل صدره غير متّسع لقبول الإسلام ، بقرينة مقابلته بقوله : { يشرح صدره للإسلام } . وزاد حالة المضلَّل عن الإسلام تبيينا بالتّمثيل ، فقال : { كأنما يصعد في السماء } .
قرأه الجمهور : { يصّعَّد } بتشديد الصاد وتشديد العين على أنَّه يَتفعَّل من الصعود ، أي بتكلّف الصعود ، فقلبت تاء التفعّل صاداً لأنّ التاء شبيهة بحروف الإطباق ، فلذلك تقلب طاء بعد حروف الإطباق في الافتعال قلباً مطّرداً ثمّ تدغم تارة في مماثلها أو مقاربها ، وقد تقلب فيما يشابه الافتعال إذا أريد التّخفيف بالإدغام ، فتدغم في أحد أحرف الإطباق ، كما هنا ، فإنَّه أريد تخفيف أحد الحروف الثّلاثة المتحرّكة المتوالية من ( يَتصعّد ) ، فسُكنت التاء ثمّ أدغمت في الصّاد إدغام المقارب للتخفيف . وقرأه ابن كثير : { يَصْعَد } بسكون الصّاد وفتح العين ، مخفّفاً . وقرأه أبو بكر ، عن عاصم : { يصّاعد } بتشديد الصّاد بعدها ألف وأصله يتصاعد .
وجملة { كأنما يصعد } في موضع الحال من ضمير : { صدْرَه } أو من صَدره ، مُثِّل حال المشرك حين يدعى إلى الإسلام أو حين يخلو بنفسه ، فيتأمل في دعوة الإسلام ، بحال الصّاعد ، فإنّ الصّاعد يضيق تنفّسه في الصّعود ، وهذا تمثيل هيئة معقولة بهيئة متخيَّلة ، لأنّ الصّعود في السّماء غير واقع .
والسّماء يجوز أن يكون بمعناه المتعارف ، ويجوز أن يكون السّماء أطلق على الجوّ الّذي يعلو الأرض . قال أبو عليّ الفارسي : « لا يكون السّماء المُظلةَ للأرض ، ولكن كما قال سيبويه{[232]} القيدود الطويل في غير سماء أي في غير ارتفاع صعداً » أراد أبو عليّ الاستظهار بكلام سيبويه على أنّ اسم السّماء يقال للفضاء الذّاهب في ارتفاع ( وليست عبارة سيبويه تفسيراً للآية ) .
وحرف { في } يجوز أن يكون بمعنى ( إلى ) ، ويجوز أن يكون بمعنى الظرفية : إمَّا بمعنى كأنّه بلغ السّماء وأخذ يصعد في منازلها ، فتكون هيئة تخييلية ، وإمّا على تأويل السّماء بمعنى الجوّ .
وجملة : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } تذييل للتي قبلها ، فلذلك فصلت .
والرجس : الخبث والفساد ، ويطلق على الخبث المعنوي والنّفسي . والمراد هنا خبث النّفس وهو رجس الشّرك ، كما قال تعالى : { وأمّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم } [ التوبة : 125 ] أي مرضاً في قلوبهم زائداً على مرض قلوبهم السّابق ، أي أرسخت المرض في قلوبهم ، وتقدّم في سورة المائدة ( 90 ) { إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشّيطان } فالرجس يعمّ سائر الخباثات النّفسيّة ، الشّاملة لضيق الصّدر وحرجه ، وبهذا العموم كان تذييلاً ، فليس خاصّا بضيق الصدر حتّى يكون من وضع المظهر موضع المضمر .
وقوله : { كذلك } نائب عن المفعول المطلق المراد به التّشبيه والمعنى : يجعل الله الرجس على الّذين لا يؤمنون جَعْلا كهذا الضيق والحرج الشّديد الّذي جعله في صدور الّذين لا يؤمنون .
و { على } في قوله : { على الذين لا يؤمنون } تفيد تمكّن الرجس من الكافرين ، فالعُلاوة مجاز في التمكّن ، مثل : { أولئك على هدى من ربّهم } [ البقرة : 5 ] والمراد تمكّنه من قلوبهم وظهور آثاره عليهم . وجيء بالمضارع في { يَجعل } لإفادة التّجدّد في المستقبل ، أي هذه سنّة الله في كلّ من ينصرف عن الإيمان ، ويُعرض عنه .
و { الّذين لا يؤمنون } مَوصول يومىء إلى علّة الخبر ، أي يجعل الله الرجس متمكّناً منهم لأنَّهم يعرضون عن تلقّيه بإنصاف ، فيجعل الله قلوبهم متزائدة بالقساوة . والموصول يعمّ كلّ من يُعرض عن الإيمان ، فيشمل المشركين المخبر عنهم ، ويشمل غيرهم من كلّ من يُدعى إلى الإسلام فيُعرض عنه ، مثل يهود المدينة والمنافقين وغيرهم . وبهذا العموم صارت الجملة تذييلاً ، وصار الإتيان بالموصول جارياً على مقتضى الظاهر ، وليس هو من الإظهار في مقام الإضمار .
ثم تختم الجولة بتصوير حالة الهدى وحالة الايمان في داخل القلوب والنفوس :
( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .
من يقدر الله له الهداية - وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء - ( يشرح صدره للإسلام ) ؛ فيتسع له ؛ ويستقبله في يسر ورغبة ، ويتفاعل معه ، ويطمئن إليه ؛ ويستروح به ويستريح له .
ومن يقدر له الضلال - وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه ( يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) . . فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله ، ( كأنما يصعد في السماء ) . . وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية ، من ضيق النفس ، وكربة الصدر ، والرهق المضني في التصعد إلى السماء ! وبناء اللفظ ذاته ( يصعد )- كما هو في قراءة حفص - فيه هذا العسر والقبض والجهد . وجرسه يخيل هذا كله ، فيتناسق المشهد الشاخص ، مع الحالة الواقعة ، مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد .
وينتهي المشهد بهذا التعقيب المناسب :
( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .
. . كذلك . . بمثل هذا الذي يجري به قدر الله من شرح صدر الذي يريد الله به الهدى ، ومن العسر والجهد والمشقة لمن يريد به الضلال . . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون .
ومن معاني الرجس : العذاب . ومن معانيه كذلك : الارتكاس - وكلاهما يلون هذا العذاب بمشهد الذي يرتكس في العذاب ويعود إليه ولا يفارقه ! وهو الظل المقصود !
على أنه تبقى في النفس بقية من الحديث عن قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .
إن تصور الحقيقة التي يقررها هذا النص وأمثاله في القرآن الكريم من النصوص التي تتعلق بالتعامل والارتباط بين مشيئة الله - سبحانه - واتجاهات البشر ؛ وما يصيبهم من الهدى والضلال ، وما ينالهم بعد ذلك من جزاء وثواب وعقاب . . إن هذا كله يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني ! وكل ما ثار من الجدل بشأن هذه القضية سواء في تاريخ الفكر الإسلامي ، وبخاصة بين المعتزلة وأهل السنة والمرجئة - أو في تاريخ اللاهوت والفلسفة - وكل القضايا والتعبيرات عنها ، موسومة بطابع المنطق الذهني .
إن تصور هذه الحقيقة يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني . وكذلك يقتضي التعامل مع " الواقع الفعلي " لا مع " القضايا الذهنية " . فالقرآن يصور الحقيقة الفعلية في الكينونة البشرية وفي الوجود الواقع ؛ وهذه الحقيقة يتراءى فيها التشابك بين مشيئة الله وقدره وبين إرادة الإنسان وعمله . في محيط لا يدركه المنطق الذهني كله .
فإذا قيل : إن إرادة الله تدفع الإنسان دفعا إلى الهدى أو الضلال . . لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية . وإذا قيل : إن إرادة الإنسان هي التي تقرر مصيره كله . . لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية كذلك ! إن الحقيقة الفعلية تتألف من نسب دقيقة - وغيبية كذلك - بين طلاقة المشيئة الإلهية وسلطانها الفاعل ، وبين اختيار العبد واتجاهه الإرادي . بلا تعارض بين هذه وتلك ولا تصادم . .
ولكن تصور الحقيقة " الفعلية " كما هي في واقعها هذا لا يمكن أن يتم في حدود المنطق الذهني . وفي شكل القضايا الذهنية والعبارة البشرية عنها . . إن نوع الحقيقة هو الذي يحدد منهج تناولها وأسلوب التعبير عنها . . وهذه الحقيقة لا يصلح لها منهج المنطق الذهني ولا القضايا الجدلية .
كذلك يحتاج تصور هذه الحقيقة كما هي في واقعها الفعلي إلى تذوق كامل في تجربة روحية وعقلية . . إن الذي تتجه فطرته إلى الإسلام يجد في صدره انشراحاً له . . هو من صنع الله قطعاً . . فالانشراح حدث لا يقع إلا بقدر من الله يخلقه ويبرزه . والذي تتجه فطرته إلى الضلال يجد في صدره ضيقا وتقبضا وعسراً . . هو من صنع الله قطعا . . لأنه حدث لا يتم وقوعه الفعلي إلا بقدر من الله يخلقه ويجري به كذلك . . وكلاهما من إرادة الله بالعبد . . ولكنها ليست إرادة القهر . إنما هي الإرادة التي انشأت السنة الجارية النافذة من أن يبتلي هذا الخلق المسمى بالإنسان بهذا القدر من الإرادة . وأن يجري قدر الله بإنشاء ما يترتب على استخدامه لهذا القدر من الإرادة في الاتجاه للهدى أو للضلال .
وحين توضع قضية ذهنية في مواجهة قضية ذهنية . وحين يتم التعامل مع هذه القضايا ، بدون استصحاب الملامسة الباطنية للحقيقة ، والتجربة الواقعية في التعامل معها ، فإنه لا يمكن أبداً أن يتم تصور كامل وصحيح لهذه الحقيقة . . وهذا ما وقع في الجدل الإسلامي . . وفي غيره كذلك !
إنه لا بد من منهج آخر ومن تذوق مباشر للتعامل مع هذه الحقيقة الكبيرة . .
قوله تعالى : " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام " أي يوسعه له ، ويوفقه ويزين عنده ثوابه . ويقال : شرح شق ، وأصله التوسعة . وشرح الله صدره ، وسعه بالبيان لذلك . وشرحت الأمر : بينته وأوضحته . وكانت قريش تشرح النساء شرحا ، وهو مما تقدم : من التوسعة والبسط ، وهو وطء المرأة مستلقية على قفاها . فالشرح : الكشف . تقول : شرحت الغامض . ومنه تشريح اللحم . قال الراجز :
كم قد أكلت كبدا وإنْفَحَهْ *** ثم ادخرت إلية مُشَرَّحَهْ
والقطعة منه شريحة . وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة . " ومن يرد أن يضله " يغويه " يجعل صدره ضيقا حرجا " وهذا رد على القدرية . ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه السلام : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) أخرجه الصحيحان . ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره . والدين العبادات ، كما قال : " إن الدين عند الله الإسلام{[6702]} " [ آل عمران : 19 ] . ودليل خطابه أن من لم يرد الله به خيرا ضيق صدره ، وأبعد فهمه فلم يفقهه . والله أعلم .
وروي أن عبدالله بن مسعود قال : يا رسول الله ، وهل ينشرح الصدر ؟ فقال : ( نعم يدخل القلب نور ) فقال : وهل لذلك من علامة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) . وقرأ ابن كثير " ضيقا " بالتخفيف ، مثل هين{[6703]} ولين لغتان . ونافع وأبو بكر " حرجا " بالكسر ، ومعناه الضيق . كرر المعنى{[6704]} ، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ . والباقون بالفتح . جمع حرجة ، وهو شدة الضيق أيضا ، والحرجة الغيضة{[6705]} ؛ والجمع حرج وحرجات . ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه في تركه هواه للمعاصي . قاله الهروي . وقال ابن عباس : الحرج موضع الشجر الملتف ، فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التف شجره . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى ، ذكره مكي والثعلبي وغيرهما . وكل ضيق حرج . قال الجوهري : مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية . وقرئ " يجعل صدره ضيقا حرجا " و " حرجا " . وهو بمنزلة الوحد والوحد والفرد والفرد والدنف والدنف ؛ في معنى واحد ، وحكاه غيره عن الفراء . وقد حرج صدره يحرج حرجا . والحرج الإثم . والحرج أيضا : الناقة الضامرة . ويقال : الطويلة على وجه الأرض ، عن أبي زيد ، فهو لفظ مشترك . والحرج : خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى ، عن الأصمعي . وهو قول امرئ القيس :
فإما تريني في رِحالة جابر *** على حَرَجٍ كالقَرِّ تخفق أكفاني{[6706]}
وربما وضع فوق نعش النساء ، قال عنترة يصف ظليما :
يتبعن قُلَّةَ رأسه وكأنه *** حرج على نعش لهن مُخَيَّمُ{[6707]}
وقال الزجاج : الحرج : أضيق الضيق . فإذا قيل . فلان حرج الصدر ، فالمعنى ذو حرج في صدره . فإذا قيل : حرج فهو فاعل . قال النحاس : حرج اسم الفاعل ، وحرج مصدر وصف به ، كما يقال : رجل عدل ورضا .
قوله تعالى : " كأنما يصعد في السماء " قرأه ابن كثير بإسكان الصاد مخففا ، من الصعود هو الطلوع . شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه ، كما أن صعود السماء لا يطاق . وكذلك يصاعد وأصله يتصاعد ، أدغمت التاء في الصاد ، وهي قراءة أبي ، بكر والنخعي ، إلا أن فيه معنى فعل شيء بعد شيء ، وذلك أثقل على فاعله . وقرأ الباقون بالتشديد من غير ألف ، وهو كالذي قبله . معناه يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شيء ؛ كقولك : يتجرع ويتفوق{[6708]} . وروي عن عبدالله بن مسعود أنه قرأ " كأنما يتصعد " . قال النحاس : ومعنى هذه القراءة وقراءة من قرأ يصعد ويصاعد واحد . والمعنى فيهما أن الكافر من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلك ، فكأنه يستدعي ذلك . وقيل : المعنى كاد قلبه يصعد إلى السماء نَبْواً عن الإسلام . " كذلك يجعل الله الرجس " عليهم ، كجعله ضيق الصدر في أجسادهم . وأصل الرجس في اللغة النتن . قال ابن زيد : هو العذاب . وقال ابن عباس : الرجس هو{[6709]} الشيطان ، أي يسلطه عليهم . وقال مجاهد : الرجس ما لا خير فيه . وكذلك الرجس عند أهل اللغة هو النتن . فمعنى الآية والله أعلم : ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة " على الذين لا يؤمنون " .