التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ} (7)

والاستثناء في قوله : { إلا ما شاء اللَّه } مفرّع من فعل { تنسى } ، و ( ما ) موصولة هي المستثنى . والتقدير : إلا الذي شاء الله أن تنساه ، فحذف مفعول فعل المشيئة جرياً على غالب استعماله في كلام العرب ، وانظر ما تقدم في قوله : { ولو شاء اللَّه لذهب بسمعهم وأبصارهم } في سورة البقرة ( 20 ) .

والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه النبي إذا شاء الله أن ينساه . وذلك نوعان :

أحدهما : وهو أظهرهما أن الله إذا شاء نسخ تلاوة بعض ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يترك قراءَته فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن لا يقرأوه حتى ينساه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون .

وهذا مثل ما روي عن عمر أنه قال : « كان فيما أنزل الشيخُ والشيخه إذا زنيا فارجموهما » قال عمر : لقد قرأنَاها ، وأنه كان فيما أنزل : « لا تَرغبوا عن ءابائكم فإنَّ كفراً بكم أن ترغبوا عن ءابائكم » . وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى : { أو ننسها } في قراءة من قرأ : { نُنْسِها } في سورة البقرة ( 106 ) .

النوع الثاني : ما يعرض نسيانه للنبيء صلى الله عليه وسلم نسياناً موقتاً كشأن عوارض الحافظة البشرية ثم يقيض الله له ما يذكره به . ففي « صحيح البخاري » عن عائشة قالت : « سمع النبيءُ صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ من الليل بالمسجد فقال : يرحمه الله لقد أذكَرَنِي كذا وكذا آيةً أسقطتهن أو كنت أنسيتُها من سورة كذا وكذا ، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة فسأله أبَيّ بن كعب أُنسِخَتْ ؟ فقال : « نسيتُها » .

وليس قوله : { فلا تنسى } من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف ، أمَّا إنه ليست ( لا ) فيه ناهية فظاهر ومن زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره .

وجملة : { إنه يعلم الجهر وما يخفى } معترضة وهي تعليل لجملة : { فلا تنسى } { إلا ما شاء الله } فإن مضمون تلك الجملة ضمان الله لرسوله صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن من النقص العارض .

ومناسبة الجهر وما يخفى أن ما يقرؤه الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن هو من قبيل الجهر فالله يعلمه ، وما ينساه فيسقطه من القرآن هو من قبيل الخفيّ فيعلم الله أنه اختفى في حافظته حين القراءة فلم يبرز إلى النطق به .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ} (7)

( إلا ما شاء الله ) . . فهو الاحتراس الذي يقرر طلاقة المشيئة الإلهية ، بعد الوعد الصادق بأنه لا ينسى . ليظل الأمر في إطار المشيئة الكبرى ؛ ويظل التطلع دائما إلى هذه المشيئة حتى فيما سلف فيه وعد منها . ويظل القلب معلقا بمشيئة الله حيا بهذا التعلق أبدا . .

( إنه يعلم الجهر وما يخفى ) . . وكأن هذا تعليل لما مر في هذا المقطع من الإقرار والحفظ والاستثناء . . فكلها ترجع إلى حكمة يعلمها من يعلم الجهر وما يخفى ؛ ويطلع على الأمر من جوانبه جميعا ، فيقرر فيه ما تقتضيه حكمته المستندة إلى علمه بأطراف الأمر جميعا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ} (7)

قوله تعالى : " إلا ما شاء الله " وجه الاستثناء على ، ما قاله الفراء : إلا ما شاء اللّه ، وهو لم يشأ أن تنسى شيئا ، كقوله تعالى : " خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك{[15973]} " [ هود : 108 ] . ولا يشاء . ويقال في الكلام : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت ، وإلا أن أشاء أن أمنعك ، والنية على ألا يمنعه شيئا . فعلى هذا مجاري الإيمان ، يستثنى فيها ونية الحالف التمام . وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس : فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات ، " إلا ما شاء اللّه " . وعن سعيد عن قتادة ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى شيئا ، " إلا ما شاء اللّه " . وعلى هذه الأقوال قيل : إلا ما شاء اللّه أن ينسى ، ولكنه لم ينسى شيئا منه بعد نزول هذه الآية . وقيل : إلا ما شاء اللّه أن ينسى ، ثم يذكر بعد ذلك ، فإذاً قد نسي ، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا . وقد روي أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب أبي أنها نسخت ، فسأله فقال : [ إني نسيتها ] . وقيل : هو من النسيان ، أي إلا ما شاء اللّه أن ينسيك . ثم قيل : هذا بمعنى النسخ ، أي إلا ما شاء اللّه أن ينسخه . والاستثناء نوع من النسخ . وقيل . النسيان بمعنى الترك ، أي يعصمك من أن تترك العمل به ، إلا ما شاء اللّه أن تتركه لنسخه إياه . فهذا في نسخ العمل ، والأول في نسخ القراءة . قال الفرغاني : كان يغشى مجلس الجنيد أهل البسط من العلوم ، وكان يغشاه ابن كيسان النحوي ، وكان رجلا جليلا ، فقال يوما : ما تقول يا أبا القاسم في قول اللّه تعالى : " سنقرئك فلا تنسى " ؟ فأجابه مسرعا - كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات : لا تنسى العمل به . فقال ابن كيسان : لا يفضض اللّه فاك مثلك من يصدر عن رأيه . وقوله " فلا " : للنفي لا للنهي . وقيل : للنهي ، وإنما أثبتت الياء{[15974]} لأن رؤوس الآي على ذلك . والمعنى : لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه ، إلا ما شاء اللّه أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة . والأول هو المختار ؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتا معلوما . وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف ، وعليها القراء . وقيل : معناه إلا ما شاء اللّه أن يؤخر إنزاله . وقيل : المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء اللّه أن ينال بنو آدم والبهائم ، فإنه لا يصير كذلك .

قوله تعالى : " إنه يعلم الجهر وما يخفى " أي الإعلان من القول والعمل . " وما يخفى " من السر . وعن ابن عباس : ما في قلبك ونفسك . وقال محمد بن حاتم : يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها . وقيل : الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك . " وما يخفى " هو ما نسخ من صدرك .


[15973]:آية 108 سورة هود.
[15974]:يريد الألف في (تنسى)، وأصلها الياء (نسى ينسى).