التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ} (20)

قد ذكرنا أن هذه السورة أنزلت بالمدينة وقد بدت قرون نفاق المنافقين ، فلما جرى في هذه السورة وصف حال المنافقين أعقب ذلك بوصف أجلى مظاهر نفاقهم ، وذلك حين يُدعَى المسلمون إلى الجهاد فقد يضيق الأمر بالمنافقين إذ كان تظاهرهم بالإسلام سيلجئهم إلى الخروج للقتال مع المسلمين ، وذلك أمر ليس بالهيّن لأنه تعرض لإتلافهم النفوس دون أن يَرْجُو منه نفعاً في الحياة الأبدية إذ هم لا يصدقون بها فيَصبحوا في حيرة . وكان حالهم هذا مخالفاً لحال الذين آمنوا الذي تمنوا أن يَنزل القرآن بالدعوة إلى القتال ليلاقوا المشركين فيشفوا منهم غليلهم ، فبهذه المناسبة حُكي تمني المؤمنين نزول حكم القتال لأنه يلوح به تمييز حال المنافقين ، ويبدو منه الفرق بين حال الفريقين وقد بين كره القتال لديهم في سورة براءة .

فالمقصود من هذه الآية هو قوله : { فإذ أنزلت سورة محكمة وذُكِر فيها القتال رأيتَ الذين في قلوبهم مرض } الآية ، وما قبله توطئة له بذكر سببه ، وأفاد تقديمه أيضاً تنويهاً بشأن الذين آمنوا ، وأفاد ذكره مقابلةً بين حالي الفريقين جريا على سنن هذه السورة . ومقال الذين آمنوا هذا كان سبباً في نزول قوله تعالى : { فإذا لقِيتم الذين كفروا فضَربَ الرقاب } [ محمد : 4 ] ، ولذلك فالمقصود من السورة التي ذكر فيها القتال هذه السورة التي نحن بصددها .

ومعلوم أن قول المؤمنين هذا وقع قبل نزول هذه الآية فالتعبير عنه بالفعل المضارع : إمّا لقصد استحضار الحالة مثل { ويصنع الفلك } [ هود : 38 ] ، وإما للدلالة على أنهم مستمرون على هذا القول . وتبعاً لذلك تكون { إذا } في قوله : { فإذا أنزلت سورة } ظرفاً مستعملاً في الزمن الماضي لأن نزول السورة قد وقع ، ونَظرُ المنافقين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النظر قد وقع إذ لا يكون ذمهم وزجرهم قبل حصول ما يوجبه فالمقام دال والقرينة واضحة .

و { لولا } حرف مستعمل هنا في التمني ، وأصل معناه التخصيص فأطلق وأريد به التمني لأن التمني يستلزم الحرصَ والحرصُ يدعو إلى التحضيض .

وحذف وصف { سورة } في حكاية قولهم : { لولا نزلت سورة } لدلالة ما بعده عليه من قوله : { وذُكِر فيها القتال } لأن قوله { فإذا أنزلت سورة } ، أي كما تمنَّوا اقتضى أن المسؤول سورة يشرع فيها قتال المشركين . فالمعنى : لولا نزلت سورة يذكر فيها القتال وفرضه ، فحُذف الوصف إيجازاً . ووصف السورة ب { محكمة } باعتبار وصف آياتها بالإحكام ، أي عدم التشابه وانتفاء الاحتمال كما دلت عليه مقابلة المحكمات بالمتشابهات في قوله : { منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات } في سورة آل عمران ( 7 ) ، أي لا تحتمل آيات تلك السورة المتعلّقةُ بالقتال إلا وجوب القتال وعدم الهوادة فيه مثل قوله : { فإذا لَقِيتم الذين كفروا فضربَ الرقاب } [ محمد : 4 ] الآيات ، فلا جرم أن هذه السورة هي التي نزلت إجابة عن تمنّي الذين آمنوا . وإنما قال : { وذُكِر فيها القتال } لأن السورة ليست كلها متمحضة لذكر القتال فإن سور القرآن ذوات أغراض شتّى .

والخطاب في { رأيتَ } للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنه لاحِقٌ لقوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك } [ الأنعام : 25 ] .

و { الذين في قلوبهم مرض } هم المبطنون للكفر فجعل الكفر الخفيّ كالمرض الذي مقره القلب لا يبدو منه شيء على ظاهر الجسد ، أي رأيت المنافقين على طريق الاستعارة . وقد غلب إطلاق هذه الصلة على المنافقين ، وأن النفاق مرض نفساني معضل لأنه تتفرع منه فروع بيناها في قوله تعالى : { في قلوبهم مرض } في سورة البقرة ( 10 ) .

وانتصب نظر المغشي عليه من الموت } على المفعولية المطلقة لبيان صفة النظر من قوله : { ينظرون إليك } فهو على معنى التشبيه البليغ .

ووجه الشبه ثبات الحدقة وعدم التحريك ، أي ينظرون إليك نظر المتحيّر بحيث يتجه إلى صوب واحد ولا يشتغل بالمرئيات لأنه في شاغل عن النظر ، وإنما يوجهون أنظارهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ كانوا بمجلسه حين نزول السورة ، وكانوا يتظاهرون بالإقبال على تلقي ما ينطق به من الوحي فلما سمعوا ذكر القتال بهتوا ، فالمقصود المشابهة في هذه الصورة . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت } في سورة الأحزاب ( 19 ) .

و{ مِن } هنا تعليلية ، أي المغشي عليه لأجل الموت ، أي حضور الموت .

فرّع على هذا قوله : { فأولى لهم طاعة وقول معروف } . وهذا التفريع اعتراض بين جملة { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت } وبين جملة { فإذا عزم الأمر } .

ولفظ { أوْلى } هنا يجوز أن يكون مستعملاً في ظاهره استعمال التفضيل على شيء غير مذكور يدل عليه ما قبله ، أي أولى لهم مِن ذلك الخوففِ الذي دَل عليه نظرهم كالمغشي عليه من الموت ، أن يطيعوا أمر الله ويقولوا قولاً معروفاً وهو قول { سمعنا وأطعنا } [ البقرة : 285 ] فذلك القول المعروف بين المؤمنين إذا دُعُوا أو أمروا كما قال تعالى : { إنما كان قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا } في سورة النور ( 51 ) .

وعلى هذا الوجه فتعدية { أولى } باللام دون الباء للدلالة على أن ذلك أولى وأنفع ، فكان اجتلاب اللام للدلالة على معنى النفع . فهو مثل قوله تعالى : { ذلك أزكى لهم } [ النور : 30 ] وقوله : { هن أطهر لكم } [ هود : 78 ] . وهو يرتبط بقوله بعده { فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم } .

ويجوز أن يكون { فأولى لهم } مستعملاً في التهديد والوعيد كما في قوله تعالى : { أوْلى لك فأوْلى ثم أولى لك فأولى } في سورة القيامة ( 34 ، 35 ) ، وهو الذي اقتصرَ الزمخشري عليه . ومعناه : أن الله أخبر عن توعده إياهم . ثم قيل على هذا الوجه إن { أولى } مرتبة حروفه على حالها من الوَلْي وهو القرب ، وأن وزنه أفعل . وقال الجرجاني : هو في هذا الاستعمال مشتق من الويل . فأصل أولى : أويِل ، أي أشد ويلا ، فوقع فيه قلب ، ووزنه أفلع . وفي « الصحاح » عن الأصمعي ما يقتضي : أنه يَجعل ( أولى له ) مبتدأ محذوف الخبر . والتّقدير : أقرب ما يُهلكه ، قال ثعلب : ولم يقل أحد في ( أولى له ) أحسن مما قال الأصمعي .