التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور  
{فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ} (55)

وقوله : { في مقعد صدق } إما في محل الحال من المتقين وإما في محل الخبر الثاني ل { إنّ } .

والمقعد : مكان القعود . والقعود هنا بمعنى الإِقامة المطمئنة كما في قوله تعالى : { اقعدوا مع القاعدين } [ التوبة : 46 ] .

والصدق : أصله مطابقة الخبر للواقع ثم شاعت له استعمالات نشأت عن مجاز أو استعارة ترجع إلى معنى مصادفة أحد الشّيء على ما يناسب كمال أحوال جنسه ، فيقال : هو رَجُل صدق ، أي تمام رُجلة ، وقال تأبط شراً :

إني لمهد من ثنائي فقاصد *** به لابننِ عَمِّ الصدق شُمس بن مالك

أي ابن العم حقا ، أي موف بحق القرابة .

وقال تعالى : { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوّأ صدق } [ يونس : 93 ] وقال في دعاء إبراهيم عليه السلام { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } [ الشعراء : 84 ] ويسمى الحبيب الثابت المحبة صَديقاً وصدّيقاً .

فمقعد صدق ، أي مقعد كامل في جنسه مرضي للمستقر فيه فلا يكون فيه استفزاز ولا زوال ، وإضافة { مقعد } إلى { صدق } من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة في تمكن الصفة منه .

والمعنى : هم في مقعد يشتمل على كل ما يحمده القاعد فيه .

والمَليك : فعيل بمعنى المالك مبالغة وهو أبلغ من مَلِك ، ومقتدر : أبلغ من قادر ، وتنكيره وتنكير مُقتدر للتعظيم .

والعندية عندية تشريف وكرامة ، والظرف خبر بعد خبر .