فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم : { قالوا يا لوط } ، إن ركنك لشديد ، { إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } ، فافتح الباب ودعنا وإياهم ، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربه عز وجل في عقوبتهم ، فأذن له ، فقام في الصورة آلتي يكون فيها فنشر جناحه وعليه وشاح من در منظوم ، وهو براق الثنايا ، أجلى الجبين ، ورأسه حبك مثل المرجان ، كأنه الثلج بياضا وقدماه إلى الخضرة ، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعمى ابصارهم ، فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم . فانصرفوا وهم يقولون : النجاء النجاء ، فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا ، وجعلوا يقولون : يا لوط كما أنت حتى تصبح فسترى ما تلقى منا غدا . يوعدونه ، فقالت الملائكة : لا تخف إنا أرسلنا لإهلاكهم . فقال لوط للملائكة : متى موعد إهلاكهم ؟ فقالوا : الصبح ، قال : أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن ، فقالوا أليس الصبح بقريب ؟ ثم قالوا ، { فأسر } ، يا لوط ، { بأهلك } . قرأ أهل الحجاز فاسر وأن اسر بوصل الألف حيث وقع في القرآن من سرى يسري ، وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري ، ومعناهما واحد وهو المسير بالليل .
قوله تعالى : { بقطع من الليل } ، قال ابن عباس : بطائفة من الليل . وقال الضحاك : ببقية . وقال قتادة : بعد مضي أوله وقيل : إنه السحر الأول .
قوله تعالى : { ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك } ، قرأ ابن كثير و أبو عمرو : { امرأتك } برفع التاء على الاستثناء من الالتفات ، أي : لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت فتهلك ، وكان لوط قد أخرجها معه ، ونهى من تبعه ممن أسرى بهم أن يلتفت ، سوى زوجته ، فإنها لما سمعت هذه العذاب التفتت ، وقالت : يا قوماه ، فأدركها حجر فقتلها . وقرأ الآخرين : بنصب التاء على الاستثناء من الإسراء ، أي : فأسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها ، فإن هواها إليهم ، وتصديقه قراءة ابن مسعود : { فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك } . { إنه مصيبها ما أصابهم } ، من العذاب ، { إن موعدهم الصبح } ، أي : موعد هلاكهم وقت الصبح ، فقال لوط : أريد أسرع من ذلك ، فقالوا { أليس الصبح بقريب } .
قوله : { قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا } ويروى في هذا الصدد أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه وهموا بكسر الباب وهو يمسكه ، قالت له الرسل : تنح عن الباب فتنحى وانفتح الباب ، فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون : النجاء النجاء ، وهو تأويل قوله تعالى : { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم } وقال ابن عباس وأهل التفسير : أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسرو الجدار . فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم ، قالوا : يا لوط إن ركنك لشديد ، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ، وإنا رسل ربك فافتح الباب ودعنا وإياهم ؛ ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما ذكر آنفا{[2149]} .
والمراد : أن الملائكة لما رأت تفجع لوط وما أصابه من الحزن والاضطراب والحرج بعد أن ضعف عن مدافعة قومه المستقذرين ، عرفوه بأنفسهم ليطمئن ويسكن { يا لوط غنا رسل ربك لن يصلوا إليك } لن يصلوا إليك أو إلى ضيفك بسوء أو مكروه ، فهون عليك ولا تبتئس .
قوله : { فأسر بأهلك بقطع من الليل } { فأسر } ، بالهمزة الموصولة والمقطوعة من سرى يسري ومسرى . وأسرى : أي سار ليلا ، والسرى معناه السير في الليل{[2150]} .
وقوله : { بقطع من اليل } أي طائفة منه . وهو قول ابن عباس . وقيل : ببقية من الليل . وقيل : بعد جنح من الليل . وقيل : بعد هدء من الليل . وقيل : بعد هزيع من الليل ، وهو الطائفة منه . وقيل : النصف . وقيل : ساعة{[2151]} . فقد أمر الله نبيه لوطا أن يخرج هو وأهله من بين اظهر هؤلاء الفاسدين بجزء من الليل على أن لا يلتفت واحد منهم إلى الوراء { ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك } والالتفات ، معناه نظر الإنسان إلى ما رواءه ؛ فقد قيل : كانت للمؤمنين في البلدة أموال وكان لهم فيها أصدقاء . من أجل ذلك أمرتهم الملائكة بالخروج تاركين وراءهم أشياءهم غير ملتفتين إليها البتة قطعا لتوجههم وهواهم عن كل شيء عدا توجههم إلى الله بارئ الأشياء جميعا . واستثنى من الملتفتين امرأة لوط ؛ فقد كانت عجوز سوء ؛ إذ أخبرت قومها عن ضيف لوط فكانت من الخائنين .
وقوله : { امرأتك } منصوب على الاستثناء من قوله : { فأسر بأهلك . . . إلا امرأتك } {[2152]} .
قوله : { إنه مصيبها ما أصابهم } أي مصيبها من العذاب ما يصيب الظالمين المسرفين{[2153]} .
قوله : { إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } كتب الله على هؤلاء المجرمين الفساق أن ينزل بهم العذاب الأليم صبحا ؛ إذ يكونون في هذا الوقت مجتمعين راقدين هاجعين العذاب المباغت زيادة في الترويع والترعيب . والهمزة هنا في { أليس } للاستفهام التقريري ، فالصبح قريب طلوعه غاية القرب . وليس ادل على قربه البالغ من هذه الكلمات الربانية المؤثرة المصورة في هذه الصيغة من الاستفهام التقريري الذي يوحي بحقيقة القرب لجيئه الصبح فيحين وقت العذاب الفظيع لهؤلاء الغوغاء من أسافل الناس وسقاطهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.