قوله تعالى : { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } . نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني ، كانت تحت أبي القداح عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد ابن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن أبي عمرو ، حدثني أبي حدثني إبراهيم عن يونس عن الحسن قال : حدثني معقل بن يسار ، قال : زوجت أختاً لي من رجل فطلقها ، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له : زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها ؟ لا والله لا تعود إليك أبداً ، وكان رجلاً لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى :
قوله تعالى : { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } . فقلت : الآن أفعل يا رسول الله ، قال : فزوجتها إياه . قوله تعالى : { فبلغن أجلهن } أي انقضت عدتهن ، { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } أي لا تمنعوهن عن النكاح . والعضل : المنع ، وأصله الضيق والشدة ، يقال : عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها فضاق عليه الخروج ، والداء العضال الذي لا يطاق علاجه ، وفي الآية دليل على أن المرأة لا تلي عقد النكاح ، إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل ، ولا لنهي الولي عن العضل معنى ، وقيل الآية خطاب مع الأزواج لمنعهم من الإضرار ، لأن ابتداء الآية خطاب معهم ، والأول أصح .
قوله تعالى : { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } . بعقد حلال ومهر جائز .
قوله تعالى : { ذلك } . أي ذلك الذي ذكر من النهي .
قوله تعالى : { يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } . وإنما قال ذلك موحداً ، والخطاب للأولياء ، لأن الأصل في مخاطبة الجمع : ذلكم ، ثم كثر حتى توهموا أن الكاف من نفس الحرف وليست بكاف خطاب فقالوا ذلك ، فإذا قالوا هذا كانت الكاف موحدة ، منصوبة في الاثنين ، والجمع والمؤنث والمذكر قيل : هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلذلك وحد ، ثم رجع إلى خطاب المؤمنين فقال :
قوله تعالى : { ذلكم أزكى لكم } . أي خير لكم .
قوله تعالى : { وأطهر } . لقلوبكم من الريبة ، وذلك أنه إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حيث لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل الله لهما ولم يؤمن من الأولياء أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون .
قوله تعالى : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . أي يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه مالا تعلمون أنتم .
قوله تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .
سبب نزل هذه الآية هو معقل بن يسار . فقد ذكر أنه زوّج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله ( ص ) فكانت عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقه لم يراجعها حتى انقضت عدّتها فهويها وهويته ثم خطبها مع الخُطاب فقال ، له : يا لكع ابن لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها والله لا ترجع إليك أبدا ، فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله الآية . وعلى هذا إذا طلق الرحل زوجته فانقضت عدتها وبانت ثم تذكرها من بعد ذلك وحنّ إليها وأراد أن ينكحها من جديد فليس لأولياء المرأة المطلقة أن يعضلوها عن ذلك . والعضل معناه المنع أو الحبس . فإذا كان الزوجان المتفارقان قد مال كل منهما للأخر بإخلاص فتراضيا بينهما وأراد أن يعاودا العيش معا في حياة زوجية مستأنفة راضية فلا يحل لأحد أن يمنعهما من ذلك .
وقوله : ( ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ) يراد بالإشارة العضل أي أن الأمر من الله بعدم منع المطلقات من الرجوع إلى أزواجهن بعد تراض منهم- يتعظ به ويستجيب له من الناس من كان ذا إيمان بالله ، فيسارع إلى الاستجابة لأمره ، والامتثال لما أوجب وشرع ، ثم كان ذا إيمان باليوم الآخر فهو دائم الخوف من الله فيحسب للقائه في اليوم الموعود كل حساب .
وقوله : ( ذلكم أزكى لكم وأطهر ) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . والميم للجمع . ( أزكى ) خبر مرفوع بضمة مقدرة . وذلك أمر يدركه الحس المؤمن والضمير السليم . وهو أن إرجاع المطلقات إلى أزواجهن إذا تراضوا فيما بينهم بالمعروف وعدم عضلهن عن ذلك لهو أنقى وأطهر للنفس وأبعد عن مواطن الحيف الناشئ عن العضل المتعمد .
قوله : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) وهي حقيقة ناصعة نصوع الشمس ينكرها غير جاحد جهول . إن الله عنده علم الأشياء جميعا فضلا عن علمه الأكمل بموطن الحق والصواب ، لكن الناس لا يعلمون من حقائق الحياة وزاخر المعلومات فيها إلا قليلا ، حتى إنهم إذا علموا فلا يجاوز علمهم حد التخمين والظن إلا أن يعلمهم الله . ومن جملة ذلك هنا أن الله أعلم بما في قلب المطلقة من حب لزوجها المطلق ومن معاودة الحنين إليه ، وكذا الزوج ، ربما عاود الحب قلبه من جديد بعد أن ذكرها عقب الطلاق والعدة فتجدد حبها في قلبه ، فالخير الذي لا شك فيه أن يتراجعا بعد عقد وصداق بدلا من عضلهما من ذلك ؛ لما يحتمله العضل من احتمالات التلاقي المريب غير المشروع ، لذلك قال : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.