قوله تعالى : { وبشر الذين آمنوا } . أي أخبر ، والبشارة : كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه ، ويستعمل في الخير والشر ، وفي الخير أغلب .
قوله تعالى : { وعملوا الصالحات } . أي الفعلات الصالحات ، يعني المؤمنين الذين من أهل الطاعات قال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه : ( وعملوا الصالحات ) أي أخلصوا الأعمال ، كما قال : ( فليعمل عملاً صالحاً ) أي خالياً عن الرياء . قال معاذ : العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء : العلم ، والنية ، والصبر ، والإخلاص . قوله تعالى : { أن لهم جنات } . جمع الجنة ، والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة ، سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار . وقال الفراء : الجنة ما فيه النخيل ، والفردوس ما فيه الكرم .
قوله تعالى : { تجري من تحتها } . أي من تحت أشجارها ومساكنها .
قوله تعالى : { الأنهار } . أي المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري ، وقيل من تحتها أي بأمرهم ، لقوله تعالى حكاية عن فرعون ( وهذه الأنهار تجري من تحتي ) أي بأمري ، والأنهار جمع نهر ، سمي به لسعته وضيائه . ومنه النهار . وفي الحديث " أنهار الجنة في غير أخدود " .
قوله تعالى : { كلما } . متى ما .
قوله تعالى : { رزقوا } . أطعموا .
قوله تعالى : { منها } . أي من الجنة .
قوله تعالى : { من ثمرة } . أي ثمرة ومن صلة .
قوله تعالى : { رزقاً } . طعاماً .
قوله تعالى : { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } . وقبل رفع على الغاية . قال الله تعالى : ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) قيل : من قبل في الدنيا وقيل : الثمار في الجنة متشابهة في اللون ، مختلفة في الطعم ، فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى .
قوله تعالى : { وأتوا به } . رزقا .
قوله تعالى : { متشابهاً } . قال ابن عباس ، ومجاهد ، والربيع : متشابهاً في الأوان ، مختلفاً في الطعوم . وقال الحسن وقتادة : متشابهاً . أي يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب . وقيل متشابهاً في الاسم مختلفاً في الطعم . قال : ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي .
أخبرنا أبو حامد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الصفار ، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البري ، أنا محمد ابن كثير ، أنا سفيان الثوري ، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبزقون ، يلهمون الحمد والتسبيح ، كما تلهمون النفس ، طعامهم الجشاء ، ورشحهم المسك " .
قوله تعالى : { ولهم فيها } . في الجنان .
قوله تعالى : { أزواج } . نساء وجواري يعني من الحور العين .
قوله تعالى : { مطهرة } . من الغائط ، والبول ، والحيض ، والنفاس ، والبصاق ، والمخاط والمني ، والولد ، وكل قذر . قال إبراهيم النخعي : في الجنة جماع ما شئت ولا ولد . وقال الحسن هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا . وقيل : مطهرة عن مساوئ الأخلاق .
قوله تعالى : { وهم فيها خالدون } . دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها . أنا أبو عمرو وعبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف العزيزي ، أنا محمد بن إسماعيل البخاري ، أنا قتيبة بن سعيد ، أنا جرير عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة ، لا يبولون ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ولا يتمخطون ، أمشاطهم الذهب ، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين ، على خلق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا فضيل هو ابن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول زمرة من يدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم مثل صورة القمر ليلة البدر ، والزمرة الثانية على لون أحسن الكواكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ سوقهن دون لحومها ودمائها وحللها " .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي المروزي ، أنا أبو الحسن علي ابن عبد الله الطيسفوني ، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الهمذاني ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : " لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما ولملئت ما بينهما ريحاً ، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " . صحيح ، أخرجه محمد بن عبد الله بن محمد ، عن معاوية بن عمر ، عن أبي إسحاق ، عن حميد .
أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني ، أنا أبو محمد بن علي بن محمد ابن شريك الشافعي ، أنا عبد الله بن محمد بن مسلم ، أنا أبو بكر الجوريدي ، أنا أحمد بن الفرج الحمصي ، أنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار ، أنا محمد ابن المهاجر ، عن الضحاك المعافري ، عن سليمان بن موسى ، حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا هل من مشمر للجنة ، وإن الجنة لا خطر لها وهي ، ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز ، وقصر مشيد ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وحلل كثيرة ، ومقام أبد في دار سليمة ، وفاكهة خضرة ، وحبرة ، ونعمة في محلة عالية بهية ، قالوا : نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها . قال : قولوا إن شاء الله . قال القوم : إن شاء الله " .
وروى عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أهل الجنة جرد مرد كحل ، لا يفنى شبابهم ، ولا تبلى ثيابهم " .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي ، أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي ، أنا أبو يزيد محمد بن يحيى ، أنا إسحاق الحنظلي ، أنا أبو معاوية ، أنا عبد الرحمن بن إسحاق ، عن النعمان بن سعيد ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة لسوقاً ليس فيه بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء ، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها ، إن فيها لمجتمع الحور العين ينادين ، بصوت لم يسمع الخلائق مثله : نحن الخالدات فلا نبيد أبداً ، ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً ، ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً ، فطوبى لمن كان لنا وكنا له ونحن له " ورواه أبو عيسى عن هناد و أحمد بن منيع عن أبي معاوية مرفوعاً وقال : هذا حديث غريب .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا أبو عثمان سعيد بن عبد الجبار البصري أنا حماد بن مسلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً ، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً فيقول لهم أهلهم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً .
ولما ذكر ما{[1277]} لهم ترهيباً اتبعه ما للمؤمنين ترغيباً فقال صارفاً وجه الخطاب بالرحمة إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عاطفاً على ما تقديره : فأنذرهم بذلك ، ولكنه طواه لأن السياق للاستعطاف{[1278]} { وبشر } والبشرى قال الحرالي إظهار غيب{[1279]} المسرة بالقول : { الذين آمنوا } أي صدقوا الرسل { وعملوا } قال الحرالي : من العمل وهو فعل بُني على علم{[1280]} أو زعمه { الصالحات } من الأقوال والأفعال ، قال الحرالي : جمع صالحة ، وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه ، وإذا كانت البشرى لهؤلاء{[1281]} فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى ، وإنما يبشر من يكون على خطر ، والمؤمن مطمئن فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، وما لا يناله{[1282]} علم نفس ولا خطر على قلب بشر .
ولما ذكر المبشر اتبعه المبشر{[1283]} به فقال{[1284]} : { أن لهم جنّات } أي متعددة ، قال الحرالي : لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها [ كما-{[1285]} ] قال عليه الصلاة والسلام للتي{[1286]} سألت عن ابنها : " إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى " وفي التعبير بلهم إشعار بأن{[1287]} ذلك الذي لهم ينبغي لحاقه{[1288]} بذواتهم ليحصل به من كمال أمرهم وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم وتسويتهم . والجنات{[1289]} مبتهجات للنفوس تجمع ملاذ جميع حواسها ، تُجن المتصرف فيها أي تخفيه{[1290]} وتجن وراء نعيمها مزيداً دائماً - انتهى .
ثم وصفها بأنها { تجري } {[1291]}قال الحرالي : من الجري وهو إسراع حركة الشيء ودوامها ، { من تحتها } أي من تحت غرفها ، والتحت ما دون المستوى ، { الأنهار } جمع نهر ، وهو المجرى الواسع للماء - انتهى . {[1292]}فإسناد الجري إليها مجاز ، والتعريف لما عهده السامع من الجنس{[1293]} ويحتمل أن يكون المعنى أن أرضها منبع الأنهار ، فَتَحتَ كل شجرة وغرفة منبع نهر ، فهي لا تزال غضّة يانعة متصلة الزهر والثمر لا كما يجلب إليه الماء وربما انقطع في وقت فاختلّ بعض أمره .
قال الحرالي : وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء آيته - انتهى .
فلما كانت الجنان معروفة بالثمار ساق وصفها بذلك مساق ما لا شك{[1294]} فيه بخلاف جري الأنهار فقال : { كلما } وهي كلمة تفهم تكرر الأمر في عموم الأوقات { رزقوا منها من ثمرة } أيّ ثمرة كانت رزقاً { قالوا } لكونه على صورة ما في الدنيا { هذا } {[1295]}أي الجنس لاستحكام الشبه { الذي رزقنا من قبل } أي في الدنيا ، {[1296]}ولما كان الرزق{[1297]} معلوماً ولم يتعلق غرض{[1298]} بمعرفة{[1299]} الآتي بالرزق بُنيا للمجهول فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره لأنا خلقناه على شكل ما كان ليكونوا به أغبط ولمزيته أعرف وله أقبل وإليه أميل موحداً للضمير إشارة إلى أنه لاستحكام الشبه كأنه واحد { وأتوا به } {[1300]}أي جيء لهم {[1301]}بهذا الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة{[1302]} من غير تطلب وتشوق { متشابهاً } في مطلق اللون والجنس ليظن أنه متشابه في الطعم ، فيصير فضله في ذلك بالذوق نعمة أخرى{[1303]} والتشابه المراد هنا اشتراك في ظاهر الصورة ، {[1304]} والإتيان بأداة التكرار يدل على أن الشبه يزداد عظمة{[1305]} في كل مرة فيزداد العجب وجعل الحرالي{[1306]} هذا خاصاً بثمار الجنة فقال : من قبل إعلام بأن أشخاص ثمر الجنة وآحادها لا تتمايز{[1307]} لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى وأدنى ولا يتراخى زمان عودها ، فهي تتخلف لآنِ قطفها ولا تتمايز{[1308]} صور المقطوف من الخالف حتى يظن القاطف أن المتخلف عين الأول ؛ فحال ثمر الجنة كحال الماء الذي هو أصله ، وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية{[1309]} الوجود قال عليه السلام في عنقود من ثمرها : " لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " ويشعر ذلك عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة مرابطة حتى جرُّوا{[1310]} بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق{[1311]} ومنه{[1312]} حديث مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد{[1313]} : " نية المؤمن خير من عمله " { وأتوا به متشابهاً{[1314]} } أظهر عذرهم في توهم اتحاد الثمر وعرف بأمنتهم من العنا ، لأنه لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى وتكلف {[1315]}للانتقاء للأعلى{[1316]} وذلك إنما هو لائق بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة ، وقد ذكر بعض العلماء{[1317]} اطراد هذا التشابه في ثمر الجنة وإن اختلفت أصنافه{[1318]} ، ويضعفه ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى والصورة في نحو قوله تعالى :
{ فيهما فاكهة ونخل ورمان{[1319]} }[ الرحمن : 68 ] وما يجري مجراه - انتهى .
ولما{[1320]} ذكر المسكن الذي هو محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات و{[1321]}كانت لذة الدار لا تكمل إلا بأنس الجار {[1322]}لا سيما المستمتع به{[1323]} قال : { ولهم فيها } أي مع ذلك { أزواج } {[1324]}ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة ، وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماماً بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا مطمع في الزيادة فقال : { مطهرة } .
قال الحرالي : والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون{[1325]} ، والتطهير{[1326]} تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء ؛ ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة{[1327]} من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا ، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - انتهى .
ولما كان {[1328]} خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصاً فلا {[1329]} تروق {[1330]} اللذة {[1331]} إلا مع الاستقرار {[1332]} وكان هذا الوصف عاماً في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدماً للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر له{[1333]} { وهم فيها }{[1334]} ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة وإن كان له آخر صرح به بياناً بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئاً جديداً فقال : { خالدون }{[1335]} والخلود{[1336]} طول الإقامة بالقرار ، وسياق الامتنان أغنى{[1337]} عن تقييده بالتأبيد والدوام .
قوله تعالى : ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها ثمرة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ( بعد أن خوف الله الكافرين وحذرهم من عذاب النار التي وقودها الناس والحجارة إذا لم يؤمنوا بكتابه ، فإنه بعد ذلك يبشر عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم جنات تجري تحتها الأنهار ، وذلك الذي يطلق عليه في القرآن " المثاني " وهي الانتقال بالكلام من حال إلى حال أخرى مغايرة ، وذلك مثلما تتناول الآية أو بعض الآيات مسألة العذاب الأليم الذي أعده الله للكافرين والعصاة ، ثم يعقب ذلك بالكلام عن الجنة ونعيمها المقيم ، أو مثلما يتكلم عن ملائكة الرحمة والبشرى ، ثم يبادر الحديث بعد ذلك مباشرة عن ملائكة العذاب الذين تتزلزل لدى رؤيتهم أقدام المجرمين الذين يعيثون في الأرض فسادا ، ذلك الذي عليه الجمهرة الكاثرة من المفسرين وقيل غير ذلك .
وفي هذه الآية يأمر الله بتبشير المؤمنين الذين عملوا الصالحات ، والتبشير هو الإخبار عما يبعث على السرور ، إذ تتبدى علائم البهجة والحبور لدى الإخبار بما يسر .
على أن التبشير بالجنات مشروط بالإيمان الذي يقترن بعمل الصالحات فإنه لا قيمة تذكر للإيمان وحده من غير عمل صالح ، وذلك هو شأن القرآن دائما لدى تنويهه بذكر الإيمان ، فإنه يشفعه بالعمل ليتبين للناس خطورة الإيمان المتجرد الذي لا يعقبه عمل كريم نافع مشروع .
وقوله : ( جنات ( من الفعل جن أي ستر وغطى ، فالجنات مفردها الجنة وسميت بذلك لأنها تستر من يكون فيها ويستظل بظلها ، ويشتق من ذلك أيضا الجن والجنة بكسر الجيم وهم خلق غير مشهود ، وهم من غير بني البشر ، وقد سموا بذلك لاستتارهم وأنهم لا يرون ، وكذلك الجنين قد سمي بذلك لاستتاره داخل الرحم ، ثم الجنون وهو استتار العقل بما يحول بينه وبين الوعي والإدراك ، ويقال كذلك للترس " مجن " بكسر الميم ، لأن صاحبه يتستر به ليقيه الضربات . {[28]}
ولقد أعد الله للمؤمنين العاملين جنات عظيمة فسيحة وارفة بما لم يطرأ على قلب بشر ولم يتصوره إنسان ، وذلك لفرط الهناء والحسن والروعة التي تظلل هذه الجنات والتي تنساب من بينها الأنهار الدائمة الجارية فتنشر من حولها البهجة والخير والحبور .
وقوله : ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ( أي كلما أعطوا من ثمار الجنة شيئا حسبوا أنه شبيه بما أعطوه في الدنيا فقالوا ذلك مثل الذي كان لنا من قبل في الدنيا ، وذلك لتشابه الصنفين في الشكل واختلافهما في الجوهر والمذاق . ويوضح ذلك قوله تعالى : ( وأتوا به متشابها ( الجملة مستأنفة متشابها حال من الضمير في ( به ( {[29]} أي أن ثمار الجنة تشبه الحياة الدنيا من حيث الصورة والمظهر والمنظر لكن الصنفين مختلفان تمام الاختلاف من حيث الحقيقة والطعم ، ولذلك فإن المؤمنين إذ يلجون الجنة ثم يرون ثمارها يحسبون لأول وهلة أن هذه الثمار شبيهة بتلك التي يعرفونها حال حياتهم في الأرض قبل الفناء .
ولعل هذا المفهوم المستنبط من هذه الآية يشي بحقيقة مفيدة وهي أن حال هذه الدنيا غير تلك الحال في الآخرة ، وأن بينهما من حيث الحقيقة والجوهر والكيفية والمعنى بونا أكبر ، وشتان شتان ما بين الدارين ، وهما إن اتحدتا لدى الوصف وذلك من حيث الصورة والشكل فإن ذلك لا يتجاوز الاتحاد الذي تحتويه الكلمات وذلك على سبيل التقريب للذهن فقط . أمام الاثنتان من حيث الكيفية وحقيقة التكوين ، ومن حيث الطابع والجوهر وحقيقة ما تجري ، فإنهما من هذه المناحي متنائيان تنائيا غير محدود .
ومن باب التمثيل نقول : تتشابه الدنيا والآخرة بما فيها من نعيم وعذاب ، أو حر وقر ، أو عذب وملح أجاج ، أو ظل وارف ظليل ، وسموم حارق حرور ، أو حزن ممض وسرور مبهج ، وغير ذلك من معان متماثلة أو متنافرة فإن كلا منها في هذه الدنيا يختلف عنها في الدار الآخرة ، والمعنيان إذا تشابها مثلما يتراءى للسامع من خلال الكلمة فإنهما متباعدان أشد التباعد من حيث الحقيقة والمعنى ، وهو الذي ينبغي أن يكون عليه التعويل ، لأنه الأصل ولأنه الجوهر ، وما عدا ذلك من مماثلة في الشكل والصورة فإن ذلك ما لا ينبغي التعويل عليه .
قوله : ( ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ( وذلك من تمام الخير والنعيم الذي يمنن الله به على عباده الأبرار الذين كتب لهم الجنة ، فإن لهم أزواجا طاهرات وهم جميعا في الجنة خالدون ، وأزواج مفردها زوج ، ويطلق ذلك على الرجل أو المرأة ، فنقول امرأة زوج مثلما نقول رجل زوج ، والزوج يعني الصنف الذي له نظير أو نقيض . {[30]}
والمؤمنون العاملون يكتمل لهم الخير والنعيم في الجنة إذ يجدون لهم فيها أزواجا ( مطهرة ( وطهارتهن تتجلى في أوصاف شتى من طهارة البدن من خبث الحيض أو النفاس أو البول أو الغائط أو البصاق كما أورد أكثر المفسرين ، أو أن طهارتهن تتسع لتشمل فيهن طابع النفس والروح معا ، فهن بذلك كريمات تقيات طواهر لا يعرفن معنى الدنس ولا تجنح إليه نفوسهن فهن المبرآت العفائف .
قوله : ( وهم فيها خالدون ( يعود الضمير على الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين امتن الله عليهم بالجنة والزوجات الطاهرات ، فإن ذلك كله من تفضل الله وامتنانه على عباده أن أنعم عليهم بالنعيم المقيم الذي لا يفنى ولا يتحول . {[31]}