فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

{ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات } لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد كما هي عادته سبحانه وتعالى في كتابه العزيز لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته ، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه ، والتبشير الإخبار بما يظهر أثره على البشرة وهي الجلدة الظاهرة من السرور ، والمأمور بالتبشير قيل هو النبي صلى الله عليه وسلم وقيل هو كل أحد كما في قوله صلى الله عليه وسلم ( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) والصالحات الأعمال المستقيمة ، والمراد هنا الأعمال المطلوبة منهم المفترضة عليهم ، وفيه رد على من يقول أن الإيمان بمجرد يكفي ، فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح قيل هو ما كان فيه أربعة أشياء العلم والنية والصبر والإخلاص ، يعني عن الرياء قاله عثمان .

{ أن لهم جنات } جمع جنة وهي البساتين وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها أو تسترها بالأشجار والأوراق ، وقيل الجنة ما فيه نخل والفردوس ما فيه كرم وهي إسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة { تجري } أي على ظهر الأرض من غير حفيرة بل هي متماسكة بقدرة الله { من تحتها } أي تحت الجنات لاشتمالها على الأشجار أي من تحت أشجارها ، قال مسروق إنها تجري من غير أخدود { الأنهار } جمع نهر وهو المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات ، والمراد الماء الذي يجري فيها لأن الأنهار لا تجري ، وأسند الجري إليها مجازا فالجاري حقيقة هو الماء كما في قوله تعالى { واسأل القرية التي كنا فيها } أي أهلها ، والنهر يجوز فيه فتح الهاء وسكونها وكذا كل ما عينه حرف حلقي ، وجمع الأول أنهر ، وجمع الآخر أنهار ، وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنهار الجنة تفجر من تحت جبال مسك ) .

{ كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا } أي أطعموا من الجنة طعاما والمراد بثمرة النوع لا الفرد قاله سعد التفتازاني ، وأطال الكلام فيه { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } في الدنيا { وأتوا به متشابها } وصف آخر للجنات أو جملة مستأنفة والمراد أنه شبيهه ونظيره لا أنه هو ، لأن ذات الحاضر لا يكون عين ذات الغائب لاختلافهما ، وذلك أن اللون يشبه اللون وإن كان الحجم والطعم والرائحة والمأدبة متخالفة والضمير في " به " عائد إلى الرزق وقيل المراد أنهم أتوا بما يرزقونه في الجنة متشابها فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم في آخرة فيقولون هذا الذي رزقنا من قبل ، فإذا أكلوا وجدوا له طعما غير طعم الأول ، عن ابن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء ، وعن الحس في قوله { متشابها } قال خيار كله يشبه بعضه بعضا لا رذال فيه ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه .

وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبزقون ، يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس ، طعامهم جشاء ، ورشحهم كرشح المسك ، وفي لفظ ورشحهم المسك ) أخرجه مسلم ، والمعنى أن فضول طعامهم يخرج في الجشاء وهو تنفس المعدة ، والرشح العرق .

{ ولهم فيها أزواج مطهرة } أي في الجنات من الحور العين المطهرة من البول والغائط والحيض والولد وسائر الأقذار ، وقيل هي عجائز الدنيا الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا وقيل طهرن من مساوي الأخلاق والمعنى أنه لا يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض والنفاس والغائظ والبزاق والنخامة ، وسائر الأدناس التي لا يمتنع تعلقها بنساء الدنيا ، والأزواج جمع زوج وهو ما يكون معه آخر فيقال زوج للرجل والمرأة ، وزوجة بالتاء قليل وأنها لغة تميم قاله الفراء ، والزوج أيضا الصنف والتثنية زوجان ، والطهارة النظافة { وهم فيها خالدون } أي ماكثون أبدا ، والخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع ، وقد يستعمل مجازا فيما يطول دام أم لم يدم ، والمراد هنا الأول لما يشهد له الآيات والأحاديث ، والمعنى لا يخرجون منها ولا يموتون .

وعن ابن عباس في قوله { وهم فيها خالدون } قال يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له ، وعن سعيد بن جبير خالدون يعني لا يموتون ، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيما هو فيه ) {[83]} وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا ، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا ولكن جعل لهم الأبد . وقد أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي وابن مردويه عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ، ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وحلل كثيرة ، ومقام في أبدا ، في دار سليمة وفاكهة خضراء ) الحديث . والأحاديث في وصف الجنة كثيرة جدا ثابتة في الصحيحين وغيرهما ، وكذلك في صفات نساء أهل الجنة ما لا يتسع المقام لبسطه ، فلينظر في دواوين الإسلام ، وقد ألف الحافظ محمد بن أبي بكر القيم الجوزي كتابا في أحوال الجنة سماه " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " لم يؤلف في الإسلام قبله مثله ، وهو أجمع ما جمع في هذا الباب ، وقد لخصته بحذف الزوائد والأسانيد وسميته " مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام " فليرجع إليه ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفات أهل الجنة في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون .


[83]:وقد وردت الأحاديث كثيرة في صفة أهل الجنة نقتطف منها من صحيح مسلم الأحاديث التالية: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة). عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر. ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة. ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون أمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستون ذراعا). انظر صحيح مسلم /1822 وما بعده.