قوله تعالى : { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً } . وذلك أن أشمويل سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكاً ، فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس ، وقيل : له إن صاحبكم الذي يكون طوله طول هذه العصا ، وانظر هذا القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل ، فادهن به رأسه وملكه عليهم ، وكان طالوت اسمه بالعبرانية ساول بن قيس ، من أولاد بنيامين بن يعقوب ، سمي طالوت لطوله ، وكان أطول من كل أحد برأسه ومنكبيه ، وكان رجلاً دباغاً يعمل الأديم ، قاله وهب ، وقال السدي : كان رجلاً سقاء يسقي على حمار له من النيل ، فضل حماره ، فخرج في طلبه ، وقيل كان خربندجا ، وقال وهب : بل ضلت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلاماً له في طلبها ، فمرا ببيت أشمويل فقال الغلام لطالوت : لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا ويدعو لنا ، فدخلا عليه ، فبينما هما عنده يذكران له حاجتهما إذ نش الدهن الذي في القرن ، فقام أشمويل عليه السلام فقاس طالوت بالعصا فكانت طوله ، فقال لطالوت : قرب رأسك ! فقربه ، فدهنه بدهن القدس ، ثم قال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكه عليهم فقال طالوت : أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل ؟ وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل ؟ . قال : بلى ، قال فبأي آية ؟ قال : بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك . ثم قال لبني إسرائيل : ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ) .
قوله تعالى : { قالوا أنى يكون له الملك علينا } . أي من أين يكون له الملك علينا .
قوله تعالى : { ونحن أحق } . أولى .
قوله تعالى : { بالملك منه } . وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان : سبط نبوة وسبط مملكة ، فكان سبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ، ومنه كان موسى وهارون ، وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ، ومنه كان داود وسليمان ، ولم يكن طالوت من أحدهما إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب ، وكانوا عملوا ذنباً عظيماً ، كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهاراً فغضب الله تعالى عليهم ، ونزع الملك والنبوة عنهم وكانوا يسمونه سبط الإثم ، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا عليه لأنه لم يكن من سبط المملكة ، ومع ذلك قالوا هو فقير .
قوله تعالى : { ولم يؤت سعة من المال ، قال إن الله اصطفاه } . اختاره .
قوله تعالى : { عليكم وزاده بسطة } . فضيلة وسعة .
قوله تعالى : { في العلم والجسم } . وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته وقيل : إنه أتاه الوحي حين أوتي الملك ، وقال الكلبي : وزاده بسطة فضيلة وسعة في العلم بالحرب ، وفي الجسم بالطول وقيل : الجسم بالجمال وكان طالوت أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم .
قوله تعالى : { والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم } . قيل : الواسع ذو السعة ، وهو الذي يعطي عن غنى ، والعليم العالم ، وقيل : العالم بما كان ، والعليم بما يكون فقالوا له : فما آية ملكه ؟ فقال لهم نبيهم : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ، فذلك قوله : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } .
ولما أرشد العطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فقال لهم نبيّهم : ألم أقل لكم : لا تسألوا البلاء ولا تدانوا أمر القضاء فإن أكثر قول النفس كذب وجل أمانيها زور وأما أمر الله فمت{[11684]}ى برز يجب ، عطف عليه قوله : { وقال لهم } أي خاصة {[11685]}لم يكن معهم أحد غيرهم يحال عليهم جوابهم الذي لا يليق وصرح بالمقصود لئلا يظن أن القائل{[11686]} الله وأنهم واجهوه بالاعتراض فقال{[11687]} : { نبيهم } أي الذي تقدم أنهم سألوه ذلك{[11688]} مؤكداً{[11689]} معظماً محققاً بأداة التوقع لأن سؤالهم على لسان نبي يقتضي توقع{[11690]} الإجابة { إن الله } أي بجلاله وعزّ كماله { قد } {[11691]}ولما كان إلباس الشخص عزّ{[11692]} الملك مثل إعزاز الجماد بنفخ الروح كان التعبير عن ذلك بالبعث أليق{[11693]} فقال : { بعث لكم{[11694]} } {[11695]}أي خاصة{[11696]} لأجل سؤالكم { طالوت } اسم ملك{[11697]} من بني إسرائيل من سبط لم يكن الملك{[11698]} فيهم { ملكاً } تنتهون{[11699]} في تدبير الحرب إلى أمره .
قال الحرالي : فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل بيت{[11700]} الملك عندهم فكان أول فتنتهم بما طلبوا ملكاً فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث لهم - انتهى . ولما أجابهم إلى ما سألوا كان من أول جلافتهم اعتراضهم على أمر الملك الديان الذي أورده{[11701]} لهم باسمه الأعظم الدال على جميع الكمال من الجلال والجمال ليكون {[11702]}أجدر لهم{[11703]} بقبول أمره والوقوف عند زجره وأورد اعتراضهم في جواب من كأنه قال : ما فعلوا إذ{[11704]} أجابهم إلى ما سألوا ؟ فقال : { قالوآ } {[11705]}أي هم لا غيرهم{[11706]} { أنى } أي من أين وكيف { يكون له } أي خاصة { الملك علينا ونحن } أي والحال أنا نحن { أحق بالملك منه } لأن فينا من هو من سبط الملوك دونه . قال الحرالي : فثنوا اعتراضهم{[11707]} بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم :
[ ص : 76 ] انتهى . { ولم } أي والحال أنه لم { يؤت سعة من المال } أي فصار له مانعان : أحدهما أنه{[11708]} ليس من بيت المملكة{[11709]} ، والثاني أنه مملق والملك لا بد له من مال يعتضد به . قال الحرالي : فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام{[11710]} المال وأنه مما يقام به{[11711]} ملك وإنما الملك {[11712]}بايتاء الله{[11713]} فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك ، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى .
ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل بعضهم على بعض من الله فكان هو المدار علق الأمر به في قوله : { قال }{[11714]} أي النبي لا غيره مؤكداً لأج{[11715]}ل إنكارهم معظماً عليهم الحق بإعادة الاسم الأعظم { إن الله } أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه وهو أعلم بالمصالح { اصطفاه } قال الحرالي : والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى . ولما كان ذلك مضمناً معنى ملكه قال في تعديته { عليكم } ثم أتبع ذلك ما أودعه سبحانه مما اقتضى ذلك فقال : { وزاده{[11716]} } أي عليكم { بسطة في العلم } الذي به تحصل المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر ، وهو يدل على اشتراط العلم{[11717]} في الملك ، وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف{[11718]} من الجسمانية وغيرها ، وأن الملك ليس بالإرث { والجسم } الذي به يتمكن من الظفر بمن{[11719]} بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران .
ولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى غيره قال{[11720]} : ( والله } أي اصطفاه والحال {[11721]}أن الملك الذي لا أمر لغيره{[11722]} { يؤتي ملكه } أي الذي هو له وليس لغيره فيه شيء { من يشاء } كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون { والله } {[11723]}الذي له الإحاطة الكاملة فلا يجوز الاعتراض عليه{[11724]} { واسع } أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته وكثرة جنوده ورزقه { عليم * } أي بالغ العلم ، فما اختاره فهو{[11725]} المختار وليس لأحد معه خيرة فهو يفعل بما له من السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه العقول ولا تحتمل وصفه الألباب والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ما يشاء{[11726]} .