معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (177)

قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } . قرأ حمزة و حفص : ليس البر بنصب الراء ، والباقون برفعها ، فمن رفعها جعل البر اسم ليس ، وخبره قوله : أن تولوا ، تقديره : ليس البر توليتكم وجوهكم . ومن نصب جعل أن تولوا في موضع الرفع على اسم ليس ، تقديره : ليس توليتكم وجوهكم البر كله ، كقوله تعالى : ( ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا ) . والبر كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة . واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية ، فقال قوم : عنى بها اليهود والنصارى ، وذلك أن اليهود كانت تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق ، وزعم كل فريق منهم : أن البر في ذلك ، فأخبر الله تعالى أن البر غير دينهم وعملهم ولكنه ما بينه في هذه الآية ، وعلى هذا القول قتادة ومقاتل بن حيان . وقال الآخرون : المراد بها المؤمنون . وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا أتى بالشهادتين وصلى الصلاة إلى أي جهة كانت ثم مات على ذلك وجبت له الجنة . ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض ، وحددت الحدود ، وصرفت القبلة إلى الكعبة ، أنزل الله هذه الآية فقال : ( ليس البر ) أي كله أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا على غير ذلك .

قوله تعالى : { ولكن البر } . ما ذكر في هذه الآية وعلى هذا القول ابن عباس ومجاهد ، وعطاء والضحاك . ولكن البر رفع ، وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب البر .

قوله تعالى : { من آمن بالله } . جعل من وهي اسم خبر للبر وهو فعل ولا يقال البر زيد . واختلفوا في وجهه قيل لما وقع من في موقع المصدر جعله خبراً للبر ، كأنه قال ولكن البر الإيمان بالله ، والعرب تجعل الاسم خبراً للفعل وأنشد الفراء :

لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى *** ولكنما الفتيان كل فتى ندى

فجعل نبات اللحية خبر للفتى . وقيل فيه إضمار معناه ولكن البر بر من آمن بالله ، فاستغنى بذكر الأول عن الثاني . كقولهم الجود حاتم أي الجود جود حاتم . وقيل معناه ولكن ذا البر من آمن بالله . كقوله تعالى : ( هم درجات عند الله ) أي ذو درجات . وقيل معناه ولكن البر من آمن بالله كقوله تعالى ( والعاقبة للتقوى ) أي للمتقي ، والمراد من البر هاهنا الإيمان والتقوى .

قوله تعالى : { واليوم الآخر والملائكة } . كلهم .

قوله تعالى : { والكتاب } . يعني الكتب المنزلة .

قوله تعالى : { والنبيين } . أجمع .

قوله تعالى : { وآتى المال } . أعطى المال .

قوله تعالى : { على حبه } . اختلفوا في هذه الكناية ، فقال أكثر أهل التفسير : إنها راجعة إلى المال أي أعطى المال في حال صحته ومحبته المال . قال ابن مسعود : أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا موسى بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الواحد ، ثنا عمارة بن القعقاع ، أنا أبو زرعة ، أخبرنا أبو هريرة قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً ؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ، ولا تمهل ، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " . وقيل هي عائدة على الله عز وجل أي على حب الله تعالى .

قوله تعالى : { ذوي القربى } . أهل القرابة . أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أخبرنا أبو العباس المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى الترمذي ، أخبرنا قتيبة ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن عمها سليمان ابن عامر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان ، صدقة وصلة " .

قوله تعالى : { واليتامى والمساكين وابن السبيل } . قال مجاهد : يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك ، ويقال للمسافر ابن السبيل لملازمته الطريق ، وقيل : هو الضيف ينزل بالرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " .

قوله تعالى : { والسائلين } . يعني الطالبين . أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبي بجيد الأنصاري وهو عبد الرحمن بن نجيد عن جدته وهي أم نجيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ردوا السائل ولو بظلف محرق " وفي رواية قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لم تجدي شيئاً إلا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه " .

قوله تعالى : { وفي الرقاب } . يعني المكاتبين قاله أكثر المفسرين ، وقيل : عتق النسمة وفك الرقبة وقيل : الأسارى .

قوله تعالى : { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } . وأعطى الزكاة .

قوله تعالى : { والموفون بعهدهم } . فيما بينهم وبين الله عز وجل وفيما بينهم وبين الناس .

قوله تعالى : { إذا عاهدوا } . يعني إذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا ونذروا أوفوا ، وإذا عاهدوا وفوا ، وإذا قالوا صدقوا ، وإذا ائتمنوا أدوا ، واختلفوا في رفع قوله والموفون قيل : هو عطف على خبر معناه ولكن ذا البر المؤمنون والموفون بعهدهم وقيل : تقديرهم الموفون كأنه عد أصنافاً ثم قال : هم الموفون كذا ، وقيل رفع على الابتداء والخبر يعني وهم الموفون ثم قال :

قوله تعالى : { والصابرين } . وفي نصبها أربعة أوجه . قال أبو عبيدة : نصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن تغير الإعراب إذا طال الكلام والنسق ، ومثله في سورة النساء والمقيمين الصلاة ، وفي سورة المائدة والصابئون والنصارى ، وقيل معناه أعني الصابرين ، وقيل نصبه نسقاً على قوله ذوي القربى أي وآتي الصابرين . وقال الخليل : نصب على المدح والعرب تنصب على المدح والذم . كأنهم يريدون إفراد الممدوح والمذموم ، فلا يتبعونه أول الكلام وينصبونه ، فالمدح كقوله تعالى : ( والمقيمين الصلاة ) . والذم كقوله تعالى ( ملعونين أينما ثقفوا ) .

قوله تعالى : { في البأساء } . أي الشدة والفقر .

قوله تعالى : { والضراء } . المرض والزمانة .

قوله تعالى : { وحين البأس } . أي القتال والحرب . أخبرنا المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي ، أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان ، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، أخبرنا زهير عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " كنا إذا احمر البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه " ، يعني إذا اشتد الحرب .

قوله تعالى : { أولئك الذين صدقوا } . في إيمانهم .

قوله تعالى : { وأولئك هم المتقون } . محارم الله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (177)

فيه ثمان مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ليس البر " اختلف من المراد بهذا الخطاب ، فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا سأل نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البر ، فأنزل اللّه هذه الآية . قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وقال الربيع وقتادة أيضا : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي ، فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس ، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس ، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها ، فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه ، ولكن البر من آمن باللّه .

الثانية : قرأ حمزة وحفص " البر " بالنصب ؛ لأن ليس من أخوات كان ، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر ، فلما وقع بعد " ليس " : " البر " نصبه ، وجعل " أن تولوا " الاسم ، وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر ، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف . وقرأ الباقون " البر " بالرفع على أنه اسم ليس ، وخبره " أن تولوا " ، تقديره ليس البر توليتكم وجوهكم ، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر ، كقوله : " ما كان حجتهم إلا أن قالوا{[1464]} " [ الجاثية : 25 ] ، " ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوءى أن كذبوا{[1465]} " [ الروم : 10 ] " فكان عاقبتهما أنهما في النار{[1466]} " [ الحشر : 17 ] وما كان مثله . ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله : " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " [ البقرة : 189 ] ولا يجوز فيه إلا الرفع ، فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له . وكذلك هو في مصحف أبي بالباء " ليس البر بأن تولوا " وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضا ، وعليه أكثر القراء ، والقراءتان حسنتان .

الثالثة : قوله تعالى : " ولكن البر من آمن بالله " البر ههنا اسم جامع للخير ، والتقدير : ولكن البر بر من آمن ، فحذف المضاف ، كقوله تعالى : " واسأل القرية{[1467]} " [ يوسف : 82 ] ، " وأشربوا في قلوبهم العجل{[1468]} " [ البقرة : 93 ] قاله الفراء وقطرب والزجاج . وقال الشاعر :

فإنما هي إقبال وإدبار

أي ذات إقبال وذات إدبار وقال النابغة :

وكيف تواصل من أصبحت *** خِلالته كَأبِي مَرْحَبِ{[1469]}

أي كخلالة أبي مرحب ، فحذف . وقيل : المعنى ولكن ذا البر ، كقوله تعالى : " هم درجات عند الله{[1470]} " [ آل عمران : 163 ] أي ذوو درجات . وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل اللّه هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ، ولكن البر - أي ذا البر - من آمن باللّه ، إلى آخرها ، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا . ويجوز أن يكون " البر " بمعنى البار والبر ، والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر ، كما يقال : رجل عدل ، وصوم وفطر . وفي التنزيل : " إن أصبح ماؤكم غورا{[1471]} " [ الملك : 30 ] أي غائرا ، وهذا اختيار أبي عبيدة . وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت " ولكن البر " بفتح الباء .

الرابعة : قوله تعالى : " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين " فقيل : يكون " الموفون " عطفا على " من " لأن من في موضع جمع ومحل رفع ، كأنه قال : ولكن البر المؤمنون والموفون ، قاله الفراء والأخفش . " والصابرين " نصب على المدح ، أو بإضمار فعل . والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام ، وينصبونه . فأما المدح فقوله : " والمقيمين الصلاة{[1472]} " [ النساء : 162 ] . وأنشد الكسائي :

وكلُّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم *** إلا نُمَيْراً أطاعت أمر غاويها

الظاعنين ولما يظعنوا أحدا *** والقائلون لمن دارٌ نُخَلِّيهَا

وأنشد أبو عبيدة :

لا يَبْعَدَن قومي الذين هم *** سُمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ{[1473]}

النازلين بكل معترك *** والطيبون معاقد الأُزْرِ

وقال آخر :

نحن بني ضَبَّةَ أصحاب الجَمَل

فنصب على المدح . وأما الذم فقوله تعالى : " ملعونين أينما ثقفوا{[1474]} " [ الأحزاب : 61 ] الآية . وقال عروة بن الورد :

سقوني الخمر ثم تكنفوني *** عُدَاةَ الله من كذب وزورِ

وهذا مهيع{[1475]} في النعوت ، لا مطعن فيه من جهة الإعراب ، موجود في كلام العرب كما بينا . وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام ، قال : والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى{[1476]} فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها . وهكذا قال في سورة النساء " والمقيمين الصلاة " [ النساء : 162 ] ، وفي سورة المائدة " والصابئون{[1477]} " [ المائدة : 69 ] . والجواب ما ذكرناه . وقيل : " الموفون " رفع على الابتداء والخبر محذوف ، تقديره وهم الموفون . وقال الكسائي : " والصابرين " عطف على " ذوي القربى " كأنه قال : وآتى الصابرين . قال النحاس : " وهذا القول خطأ وغلط بين ، لأنك إذا نصبت " والصابرين " ونسقته على " ذوي القربى " دخل في صلة " من " وإذا رفعت " والموفون " على أنه نسق على " من " فقد نسقت على " من " من قبل أن تتم الصلة ، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف " . وقال الكسائي : وفي قراءة عبدالله " والموفين ، والصابرين " . وقال النحاس : " يكونان منسوقين على " ذوي القربى " أو على المدح . قال الفراء : وفي قراءة عبدالله في النساء " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة{[1478]} " [ النساء : 162 ] . وقرأ يعقوب والأعمش " والموفون والصابرون " بالرفع فيهما . وقرأ الجحدري " بعهودهم " . وقد قيل : إن " والموفون " عطف على الضمير الذي في " آمن " . وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه ، إذ ليس المراد أن البر بر من آمن باللّه هو والموفون ، أي آمنا جميعا . كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو ، وإنما الذي بعد قوله " من آمن " تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم .

الخامسة : قال علماؤنا : هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام ، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته - وقد أتينا عليها في " الكتاب الأسنى " - والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار - وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " - والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله - كما تقدم - والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك ، ومراعاة ابن السبيل - قيل المنقطع به ، وقيل : الضيف - والسؤال وفك الرقاب . وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات{[1479]} ، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد . وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب . وتقدم التنبيه على أكثرها ، ويأتي بيان باقيها بما فيها في موضعها إن شاء الله تعالى .

واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا ، أو لا يعطى حتى يكون فقيرا ، قولان للعلماء . وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة ، على ما نبينه آنفا{[1480]} .

السادسة : قوله تعالى : " وآتى المال على حبه " استدل به من قال : إن في المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر . وقيل : المراد الزكاة المفروضة ، والأول أصح ، لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( إن في المال حقا سوى الزكاة ) ثم تلا هذه الآية " ليس البر أن تولوا وجوهكم " إلى آخر الآية . وأخرجه ابن ماجه في سننه والترمذي في جامعه وقال : " هذا حديث ليس إسناده بذاك ، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف . وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح " .

قلت : والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى : " وأقام الصلاة وآتى الزكاة " فذكر الزكاة مع الصلاة ، وذلك دليل على أن المراد بقوله : " وآتى المال على حبه " ليس الزكاة المفروضة ، فإن ذلك كان يكون تكرارا ، واللّه أعلم . واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها . قال مالك رحمه اللّه : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم . وهذا إجماع أيضا ، وهو يقوي ما اخترناه ، والموفق الإله .

السابعة : قوله تعالى : " على حبه " الضمير في " حبه " اختلف في عوده ، فقيل : يعود على المعطي للمال ، وحذف المفعول وهو المال . ويجوز نصب " ذوي القربى " بالحب ، فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى . وقيل : يعود على المال ، فيكون المصدر مضافا إلى المفعول . قال ابن عطية : ويجيء قوله " على حبه " اعتراضا بليغا أثناء القول .

قلت : ونظيره قوله الحق : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا{[1481]} " [ الإنسان : 8 ] فإنه جمع المعنيين ، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول ، أي على حب الطعام . ومن الاعتراض قوله الحق : " ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك{[1482]} " [ النساء : 124 ] وهذا عندهم يسمى التتميم ، وهو نوع من البلاغة ، ويسمى أيضا الاحتراس والاحتياط ، فتمم بقوله " على حبه " وقوله : " وهو مؤمن " [ النساء : 124 ] ، ومنه قول زهير :

من يلق يوما على عِلاَّتِه هَرِما *** يلق السماحة منه والنَّدَى خلقا

وقال امرؤ القيس :

على هيكل يعطيك قبل سؤاله *** أَفَانِينَ جَرْيٍ غَيْرَ كَزٍّ ولا وَانِ

فقوله : " على علاته " و " قبل سؤاله " تتميم حسن ، ومنه قول عنترة :

أثنى علي بما علمت فإنني *** سهلٌ مخالفتي إذا لم أظلم

فقوله : " إذا لم أظلم " تتميم حسن . وقال طرفة :

فسقى ديارك غير مفسدها *** صوبَ الربيع وديمةٌ تَهْمِي

وقال الربيع بن ضبع الفزاري :

فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي *** وكل امرئ إلا أحاديثه فان

فقوله : " غير مفسدها " ، و " إلا أحاديثه " تتميم واحتراس . وقال أبو هفان :

فأفْنَى الرَّدَى أرواحَنَا غيرَ ظالم *** وأفنى الندى أموالَنَا غيرَ عائب

فقوله : " غير ظالم " و " غير عائب " تتميم واحتياط ، وهو في الشعر كثير . وقيل : يعود على الإيتاء ، لأن الفعل يدل على مصدره ، وهو كقوله تعالى : " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم{[1483]} " [ آل عمران : 180 ] أي البخل خيرا لهم ، فإذا أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم . وقيل : يعود على اسم اللّه تعالى في قوله " من آمن باللّه " . والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء .

الثامنة : قوله تعالى : " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " أي فيما بينهم وبين اللّه تعالى وفيما بينهم وبين الناس . " والصابرين في البأساء والضراء " البأساء : الشدة والفقر . والضراء : المرض والزمانة ، قاله ابن مسعود . وقال عليه السلام : ( يقول اللّه تعالى أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته عافيته وليس له ذنب ) قيل : يا رسول اللّه ، ما لحم خير من لحمه ؟ قال : ( لحم لم يذنب ) قيل : فما دم خير من دمه ؟ قال : ( دم لم يذنب ) . والبأساء والضراء اسمان بنيا على فعلاء ، ولا فعل لهما ، لأنهما اسمان وليسا بنعت . " وحين البأس " أي وقت الحرب{[1484]} .

قوله تعالى : " أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها ، وأنهم كانوا جادين في الدين ، وهذا غاية الثناء . والصدق : خلاف الكذب . ويقال : صدقوهم القتال . والصديق : الملازم للصدق ، وفي الحديث : ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا ) .


[1464]:راجع ج 160 ص 173
[1465]:راجع ج 14 ص 10
[1466]:راجع ج 18 ص 42
[1467]:راجع ج 9 ص 246
[1468]:راجع ص 31 من هذا الجزء.
[1469]:الخلالة: (بفتح الخاء وكسرها وضمها، جمع الخلة): الصداقة. وأبو مرحب: كنية الظل، ويقال: هو كنية عرقوب. يقول: خلة هذه المرأة ووصالها لا يثبت كما لا تثبت خلة أبي مرحب، فلا ينبغي أن نستأنس إليها ويعتد بها. (عن اللسان وشرح الشواهد).
[1470]:راجع ج 4 ص 263
[1471]:راجع ج 18 ص 222
[1472]:راجع ج 6 ص 13
[1473]:راجع كتاب سيبويه وتوجيه الإعراب فيه (ج 1 ص 104، 246، 249) طبع بولاق.
[1474]:راجع ج 14 ص 247
[1475]:المهيع: الطريق الواسع البين.
[1476]:هذا القول من أخبث ما وضع الوضاعون على عثمان رضي الله عنه، وقد أنكر العلماء صحة نسبته إليه. على أن عثمان لم يستقل بجمع المصحف بل شاركه كبار الصحابة في جمعه وكتابته ولم ينشروه بين المسلمين حتى قابلوه على الصحف التي جمع القرآن فيها على عهد أبي بكر رضي الله عنه، فلم يتداوله المسلمون إلا وهو بإجماع الصحابة موافق تمام الموافقة للعرضة الأخيرة التي عرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام. وهل يظن ظان أن عثمان رضي الله عنه وهو ثالث الخلفاء الراشدين يرى في المصحف لحنا يخالف ما أنزل الله ويتركه ويقول: ستقيمه العرب بألسنتها وكيف يعقل أن يقول ذلك في حضرة الصحابة ولا يقفون في وجهه ويردون عليه قوله وهم أنصار الدين وحماته. وممن أنكر نسبة هذا القول إلى عثمان المصنف والزمخشري وأبو حيان والآلوسي في سورة "النساء" عند قوله تعالى: "والمقيمين الصلاة" آية 162، راجع ج 6 ص 13
[1477]:راجع ج 6 ص 246
[1478]:كذا في كتاب "إعراب القرآن" للنحاس، وما يدل عليه سياق الكلام في البحر المحيط لأبي حيان في سورة "النساء" وفي الأصول: "والمقيمين... والمؤتين".
[1479]:راجع ج 8 ص 167.
[1480]:آنفا: أي الآن.
[1481]:راجع ج 19 ص 126
[1482]:راجع ج 5 ص 399
[1483]:راجع ج 4 ص 29
[1484]:في ب: "وقت الجدب".