معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (228)

قوله تعالى : { والمطلقات } . أي المخليات من حبال أزواجهن .

قوله تعالى : { يتربصن } . ينتظرن .

قوله تعالى : { بأنفسهن ثلاثة قروء } . فلا يتزوجن ، والقروء : جمع قرء ، مثل قرع ، وجمعه القليل أقرؤ ، والجمع الكثير أقراء ، واختلف أهل العلم في القرء فذهب جماعة إلى أنها الحيض ، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد ، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة " دعي الصلاة أيام أقرائك " وإنما تدع الصلاة أيام حيضها . وذهب جماعة إلى أنها الأطهار ، وهو قول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة ، وهو قول الفقهاء السبعة والزهري وبه قال ربيعة ومالك والشافعي ، واحتجوا بأن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : " مره فليراجعها حتى تطهر ، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " . فأخبر أن زمان العدة هو الطهر ، ومن جهة اللغة .

قول الشاعر :

ففي كل عام أنت جاشم غزوة *** تشد لأقصاها عزيم عزائكا

مورثة مالاً وفي الحي رفعةً *** لما ضاع فيها من قروء نسائكا

وأراد به أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن ، وإنما تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيض ، وفائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة تنقضي عدتها على قول من يجعلها أطهاراً وتحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءاً .

قالت عائشة رضي الله عنها : إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه ، وبرئ منها . ومن ذهب إلى أن الأقراء هي الحيض يقول : لا تنقصني عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة ، وهذا الخلاف من حيث أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض جميعاً ، يقال أقرأت المرأة : إذا حاضت وأقرأت : إذا طهرت ، فهي مقرئ ، واختلفوا في أصله فقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة : هو الوقت لمجيء الشيء وذهابه ، يقال : رجع فلان لقرئه ولقارئه ، أي لوقته الذي يرجع فيه وهذا قارئ الرياح ، أي وقت هبوبها .

قال مالك بن الحارث الهذلي :

كرهت العقر عقر بني شليل *** إذا هبت لقارئها الرياح

أي لوقتها ، والقرء يصلح للوجهين ، لأن الحيض يأتي لوقت ، والطهر مثله ، وقيل : هو من القرء وهو الحبس والجمع ، تقول العرب : ما قرأت الناقة سلأً قط ، أي لم تضم رحمها على ولد ، ومنه قريت الماء في المقرأة ، وهي الحوض : أي جمعته ، بترك همزها ، فالقرء هاهنا احتباس الدم واجتماعه ، فعلى هذا يكون الترجيح فيه للطهر ؛ لأنه يحبس الدم ويجمعه ، والحيض يرخيه ويرسله ، وجملة الحكم في العدد : أن المرأة إذا كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل ، سواء وقعت الفرقة بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت لقوله تعالى ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) فإن لم تكن حاملاً نظر : إن وقعت الفرقة بينهما بموت الزوج فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر ، سواء مات الزوج قبل الدخول أو بعده ، وسواء كانت المرأة ممن تحيض ، أو لا تحيض لقول الله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) وإن وقعت الفرقة بينهما بالطلاق في الحياة نظر فإن كان قبل الدخول بها ، فلا عدة عليها ، لقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) . وإن كان بعد الدخول نظر : إن كانت المرأة ممن لم تحض قط أو بلغت في الكبر سن الآيسات فعدتها ثلاثة أشهر ، لقول الله تعالى : ( واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ) . وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقرؤ لقوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) وقوله " يتربصن بأنفسهن " لفظه خبر ، ومعناه أمر ، وعدة الأمة إن كانت حاملاً بوضع الحمل كالحرة ، وإن كانت حائلاً ففي الوفاة عدتها شهران وخمس ليال ، وفي الطلاق ، إن كانت ممن تحيض فعدتها قرءان ، وإن كانت ممن لا تحيض فشهر ونصف : وقيل شهران كالقرءين في حق من تحيض .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ينكح العبد امرأتين ، ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين ، فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهراً ونصفاً .

قوله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } . قال عكرمة : يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها فتقول : قد حضت الثلاثة وقال ابن عباس وقتادة : يعني الحمل ، ومعنى الآية : لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض ، والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد .

قوله تعالى : { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } . معناه أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء ، كما تقول : أدّ حقي إن كنت مؤمناً ، يعني أداء الحقوق من فعل المؤمنين .

قوله تعالى : { وبعولتهن } . يعني أزواجهن جمع بعل ، كالفحولة جمع فحل ، سمي الزوج بعلاً لقيامه بأمور زوجته وأصل البعل السيد والمالك .

قوله تعالى : { أحق بردهن } . أولى برجعتهن إليهم .

قوله تعالى : { في ذلك } . أي في حال العدة .

قوله تعالى : { إن أرادوا إصلاحا } . أي إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار ، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فإذا قرب انقضاء عدتها راجعها ، ثم تركها مدة ، ثم طلقها ، ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها .

قوله تعالى : { ولهن } . أي للنساء على الأزواج مثل الذي عليهن للأزواج بالمعروف . قال ابن عباس في معناه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله تعالى قال : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي ، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر ابن طرفة الشجري ، أنا أبو سليمان الخطابي ، أخبرنا أبو بكر بن داسه ، أنا أبو داود السجستاني ، أنا موسى بن إسماعيل ، أنا حماد أنا أبو قزعة سويد ابن حجر الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال : " قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : أن تطعمها إذا طعمت ، وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا محمد بن الحجاج ، أنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال : دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت : أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فسرد قصة حجة الوداع إلى أن ذكر خطبته يوم عرفة قال : " فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن ، وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده ، كتاب الله ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ونصحت ، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب ابن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن يحيى ، أنا يعلى بن عبيد ، أنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ، وخياركم خياركم لنسائكم " .

قوله تعالى : { وللرجال عليهن درجة } . قال ابن عباس : بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال ، وقال قتادة : بالجهاد ، وقيل بالعقل ، وقيل بالشهادة ، وقيل بالميراث ، وقيل بالدية وقيل بالطلاق ، لأن الطلاق بيد الرجال ، وقيل بالرجعة ، وقال سفيان و زيد بن أسلم : بالإمارة وقال القتيبي : ( وللرجال عليهن درجة ) معناه فضيلة في الحق .

قوله تعالى : { والله عزيز حكيم } . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى بن البرني ، أنا حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع ، فرأى رجالاً يسجد بعضهم لبعض ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (228)

{ والمطلقات } أي المخليات من حبال الأزواج يعني البالغات المدخول بهن غير الحوامل لأن في الآية بيان عدتهن { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } أي ثلاثة أطهار يعني ينتظرن انقضاء مدة ثلاثة أطهار حتى تمر عليهن ثلاثة أطهار وقيل ثلاث حيض { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } يعني الولد ليبطلن حق الزوج من الرجعة { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } وهذا تغليظ عليهن في إظهار ذلك { وبعولتهن } أي أزواجهن { أحق بردهن } بمراجعتهن { في ذلك } في الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه { إن أرادوا إصلاحا } لا إضرارا { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } أي للنساء على الرجال مثل الذي للرجال عليهن من الحق بالمعروف أي بما أمر الله من حق الرجل على المرأة { وللرجال عليهن درجة } يعني بما ساقوا من المهر وأنفقوا من المال { والله عزيز حكيم } يأمر كما أراد ويمتحن كما أحب

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (228)

قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ) . هذه الآية متعلقة بالطلاق والعدة . وقد جاء لفظ المطلقات عاما ، لكن المقصود به الخصوص ، وذلك في المطلقات المدخول بهن وليس المطلقات جميعا . وبذلك تخرج من المراد بالآية المطلقة قبل الدخول ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) وكذلك تخرج المطلقة الحامل فإن عدتها بحسب مدة الحمل وتنتهي بالوضع ؛ لقوله تعالى : ( أولئك الأحمال أجلهن يضعن حملهن ) فالمعنى أن المطلقات المدخول بهن يجب عليهن أن ( يتربصن ) أي ينتظرن بعد طلاقهن مدة قروء ثلاثة ؛ وذلك لتمام عدتهن . حتى إذا تمت هذه العدة كان لهن أن يتزوجن من رجال آخرين إن أردن .

أما القروء فهي جمع قلة ومفرده قرء وهو من حيث المفهوم اللغوي يطلق على الطهر والحيض ؛ لأن القرء في اللغة يعني الجمع ، فهو إذا أطلق على الطهر كان المقصود به اجتماع الدم في الجسد لا في الرحم . وإذا أطلق على الحيض كان المقصود به اجتماع الدم في الجسد لا في الرحم . وإذا أطلق على الحيض كان المقصود به اجتماع الدم في الحيض{[307]} . واختلف الفقهاء في المراد بالقرء . فقد ذهب أبو حنيفة وابن حنبل إلى أنه الحيض ، وهو قول كثير من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وابن عباس وآخرون .

وذهب مالك والشافعي وداود الظاهري وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه الطهر . وهو قول السيدة عائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وآخرين غيرهم{[308]} .

وقوله : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) ( ما ) اسم موصول في محل نصب مفعول به للفعل ( يكتمن ) . والمقصود باسم الموصول ، وهو الذي لا ينبغي كتمانه ، موضع خلاف العلماء . فقد قيل : إنه الحيض ، وقيل : بل هو الحمل ، وثمة رأي ثالث بأنه الحيض والحمل معا . والراجح عندي أن الكتمان يقع على كل من الحيض أو الحمل ، ولا يشترط أن يكونا معا ، فربما تكتم المطلقة حيضتها زاعمة أنها لم تحض وذلك رغبة منها في تطويل العدة لحاجة في نفسها ، أو تزعم أنها حاضت وهي في الحقيقة لم تحض وذلك استعجالا منها في انقضاء العدة .

وقيل المقصود بالمكتوم الحمل لتقطع صلته بأبيه الحقيقي ، فقد ذكر أنه كانت عادة بعض النساء في الجاهلية كتمان ما في أرحامهن من حمل ؛ وذلك من أجل أن يلحقن الولد بالزوج الجديد . وفي هذا نزلت الآية{[309]} .

قوله : ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) ذلك تهديد وتخويف من الله- عز وجل- للنساء المطلقات واللواتي يمضين في الاعتداد ، فإن عليهن أن يكشفن في صدق ووضوح عن حقيقة ما في أرحامهن من حيض أو حمل ، ولا يبغي أن يفهم من الشرطة المخالفة ليقال : إن كانت المطلقات يؤمن بالله واليوم الآخر فليس لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وبناء على هذا فإن انعدم الشرط انعدم معه الوجوب بعد الكتمان ، فإن كانت المطلقات لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا جناح عليهن في الكتمان ، وذلك فهم فاسد ، بل المقصود هو الإخبار أن كتمان ما في الرحم لهو عمل محرم وشنيع ، بل إنه ليس من فعل أهل الإيمان .

قوله : ( وبعولتهن أحق برجهن في ذلك ) البعولة جمع مفرده ، البعل وهو الزوج ، والفعل بعل يبعل أي تزوج يتزوج ، وباعل مباعلة إذا باشر زوجته{[310]} . والمعنى للآية أن الأزواج أحق بالزوجات المطلقات أن يراجعوهن وذلك أثناء العدة في الطلاق الرجعي ، أما إذا انتهت عدتهن فإنهن أحق بأنفسهن من الأزواج المطلقين ، ولهن في هذه الحال الخيار أن يرجهن لأزواجهن بعد عقد ومهر جديدين أو يمتنعن من ذلك . وإذا أراد الزوج إرجاع المطلقة قبل انتهاء العدة فله ذلك ، بل هو أحق بها دون حاجة لعقد أو مهر ، وليس عليه شيء إلا الإشهاد على الرجعة ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) .

أما كيفية الإرجاع أو صفته التي يكون فيها الزوج مراجعا في العدة فقد ذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يكون مراجعا على الوجه الصحيح المشروع إلا بالقول ، وهو أن يقول لها : راجعتك . مع الإشهاد على ذلك ، ولا تتم الرجعة عنده بطريقة أخرى غير القول . وقال الإمام مالك : إذا وطئ الرجل زوجته المطلقة أثناء العدة فقد راجعها ، وعليه أن يُشهد على الرجعة قبل الوطء ، ويكن كذلك مراجعا إذا قبّل أو باشر وهو ينوي الرجعة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ، كان ذلك رجعة ، وعليه أن يُشهد على ذلك{[311]} .

وقوله : ( إن أرادوا إصلاحا ) الزوج أحق برد زوجته المطلقة قبل انتهاء عدتها ، على أن يكون قصده في ذلك الإصلاح ، وهو أن يصلح شأنه معها بعد ردها ، وأن يكون جادا في نشر أسباب التفاهم والود والعيش الكريم في البيت ؛ لكنه إن كان يخفي في نفسه النية بالإضرار واحتباسها في أسر النكاح المنكود فذلك حرام . وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى : ( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) .

وقوله : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) هذه قاعدة في العدل يقوم على أساسها التعامل بين الزوجين في البيت ، فلا حيف ولا ضير ولا محاباة ، بل لكل واحد منهما من الحق ما يكافئ الواجب الذي عليه .

وعلى هذا الأساس يقوم التعامل المتعادل الموزون بين الزوجين . وذلك في ضوء الآية الكريمة ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) أي للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال عليهن من الحقوق ، على أن يكون ذلك كله في إطار من الحسنى والخلق الودود الحاني ؛ لقوله تعالى : ( بالمعروف ) فما من تعامل بينهما أو تفاهم أو تخاطب أو أمر أو نهي إلا وينبغي أن يكون ( بالمعروف ) أي بالرفق والود والرحمة والحسنى .

وفي الكشف عن مقاصد هذه الآية يقول الصحابي العظيم ابن عباس : إني لأتزين لا مرأتي كما تتزين لي ، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عليّ ؛ لأن الله تعالى قال : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) .

وقال الإمام الطبري في تفسير الآية : إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن{[312]} .

وقوله : ( وللرجال عليهن درجة ) الدرجة هي الرتبة والمنزلة ، لكن ما المقصود بهذه الدرجة المعطاة للرجال ليفوقوا بها النساء ؟ فقد قيل : هي إنها خلقت من الرجل ، وذلك أن الله جلت قدرته خلق أبا البشر آدم ثم خلق منه زوجه فهو بذلك أصلها . وقيل : الدرجة الميراث ، فنصيبه في الميراث أكبر من نصيبها . وقيل الدرجة بمعنى الطاعة ، فهي منوط بها أن تطيع زوجها ؛ لكونه مسؤولا عنها . وقيل : الدرجة هي المهر الذي يلتزم الرجل بأدائه للمرأة .

على أن نطمئن إليه في المراد بالدرجة أنها القوامة أو المسؤولية التي أعطيها الرجل ليكون قواما على المرأة ، فقد شرع الله للرجل أن يكون مسؤولا عن زوجته والأسرة ولا عكس ، وذلك تبعا لطبيعة تكوينه البدني والنفسي . فهو أقوى منها جسدا وأشد بأسا وأثبت نفسا وجأشا ، وأعظم ما يكون الرجل في سعة أفقه وتفكيره ورجحان عقله ومداركه ليكون بذلك كله مهيئا للاضطلاع بعبء القوامة ( المسؤولية ) . وهو ما نميل إليه في هذه المسألة مستدلين بقوله سبحانه وتعالى في آية أخرى ( الرجال قوامون على النساء ) ومنه القوامة أو المسؤولية .

وقوله : ( والله عزيز حكيم ) الله قوي ، وهو منتقم ممن خالف عن أمره واستنكف عما شرع . وهو سبحانه حكيم في كل ما يبسطه على عباده من شرائع تقرر لهم السعادة في الدنيا ، ثم النجاة في الآخر .


[307]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 25 والمصباح المنير جـ 2 ص 159، 160.
[308]:-- بداية المجتهد جـ 2 ص 75، 76 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 113 والثمر الداني شرح رسالة القيرواني ص 484 .
[309]:- فتح القدير جـ 1 ص 236 وتفسير البيضاوي ص 49 وتفسير النسفي جـ 1 ص 114.
[310]:- المصباح المنير جـ 1 ص 62.
[311]:- تفسير القرطبي جـ 3 ص 120، 121 وفتح القدير جـ 1 ص 236 وبداية المجتهد جـ 2 ص 72.
[312]:- تفسير القرطبي جـ 3 ص 123 وتفسير الطبري جـ2 ص 275.