قوله تعالى : { وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد } . وذلك أنهم أجمعوا وسئموا من أكل المن والسلوى ، وإنما قال : على طعام واحد وهما اثنان لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين ، كقوله تعالى ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) وإنما يخرج من المالح دون العذب وقيل : كانوا يأكلون أحدهما بالآخر ، فكانا كطعام واحد ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كانوا يعجنون المن بالسلوى فيصيران واحداً .
قوله تعالى : { فادع لنا } . فاسأل لأجلنا .
قوله تعالى : { ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها } . قال ابن عباس : الفوم والخبز : وقال عطاء ، الحنطة وقال القتيبي رحمه الله تعالى : الحبوب التي تؤكل كلها وقال الكلبي : الثوم .
قوله تعالى : { وعدسها وبصلها } . قال لهم موسى عليه السلام :
قوله تعالى : { أتستبدلون الذي هو أدنى } . أخس وأردأ .
قوله تعالى : { بالذي هو خير } . أشرف وأفضل ، وجعل الحنطة أدنى في القيمة وإن كانت هي خيراً من المن والسلوى ، أو أراد أنها أسهل وجوداً على العادة ، ويجوز أن يكون الخير راجعاً إلى اختيار الله لهم واختيارهم لأنفسهم .
قوله تعالى : { قلنا اهبطوا مصراً } . يعنى : فإن أبيتم إلا ذلك فانزلوا مصراً من الأمصار ، وقال الضحاك : هو مصر موسى وفرعون ، والأول أصح ، لأنه لو أراده لم يصرفه .
قوله تعالى : { فإن لكم ما سألتم } . من نبات الأرض .
قوله تعالى : { وضربت عليهم } . جعلت عليهم وألزموا .
قوله تعالى : { الذلة } . الذل والهوان ، قيل : بالجزية ، وقال عطاء بن السائب : هو الكستيج والزنار وزي اليهودية .
قوله تعالى : { والمسكنة } . الفقر ، سمي الفقير مسكيناً لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة ، فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء ، وقيل : الذلة هي فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود .
قوله تعالى : { وباؤوا بغضب من الله } . رجعوا ولا يقال : باء إلا بالشر . وقال أبو عبيدة : احتملوا وأقروا به ، ومنه الدعاء : " أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي " أي أقر .
قوله تعالى : { ذلك } . أي الغضب .
قوله تعالى : { بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } . بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ، ويكفرون بالإنجيل والقرآن .
قوله تعالى : { ويقتلون النبيين } . تفرد نافع بهمز النبي وبابه ، فيكون معناه المخبر من أنبأ ينبئ ونبأ ينبئ ، والقراءة المعروفة ترك الهمزة ، وله وجهان : أحدهما هو أيضاً من الإنباء ، تركت الهمزة فيه تخفيفاً لكثرة الاستعمال ، والثاني هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة وهي المكان المرتفع ، فعلى هذا يكون النبيين على الأصل .
قوله تعالى : { بغير الحق } . أي بلا جرم فإن قيل : فلم قال : ( بغير الحق ) وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق قيل : ذكره وصفاً للقتل ، والقتل تارة يوصف بالحق وتارة يوصف بغير الحق ، وهو مثل قوله تعالى : ( قال رب احكم بالحق ) ذكر الحق وصفاً للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق ، ويروى أن اليهود قتلت سبعين نبياً في أول النهار وقامت سوق بقتلهم في آخر النهار .
قوله تعالى : { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } . يتجاوزون أمري ، ويرتكبون محارمي .
فملوا ذلك العيش وذكروا عيشا كان لهم بمصر فقالوا { يا موسى لن نصبر على طعام واحد } ، يعني المن الذي كانوا يأكلونه والسلوى فكانا طعاما واحدا .
{ فادع لنا ربك } سله وقل له أخرج { يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها } وهو كل نبات لا يبقى له ساق ، { وقثائها } وهو نوع من الخضروات { وفومها } وهو الحنطة .
فقال لهم موسى عليه السلام { أتستبدلون الذي هو أدنى } أي أخس وأوضع { بالذي هو خير } أي أرفع وأجل ، فدعا موسى عليه السلام فاستجبنا له وقلنا لهم { اهبطوا مصرا } انزلوا بلدة من البلدان .
{ فإن لكم ما سألتم } أي فإن الذي سألتم لا يكون إلا في القرى والأمصار .
{ وضربت عليهم } أي على اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم .
{ الذلة } يعني الجزية وزي اليهودية ومعنى ضرب الذلة إلزامهم إياها إلزاما لا يبرح ، { والمسكنة } زي الفقر وأثر البؤس { وباؤوا } احتملوا وانصرفوا { بغضب من الله ذلك } أي ذلك الضرب والغضب { بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } التي أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم ، { ويقتلون النبيين } أي يتولون أولئك الذين فعلوا ذلك { بغير حق } أي قتلا بغير حق يعني بالظلم { ذلك } الكفر والقتل بشؤم ركوبهم المعاصي وتجاوزهم أمر الله تعالى .
قوله تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وقومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ( .
تحكي لنا هذه الآية قصة البطر الذي ركب النفسية اليهودية بعد أن ضاقوا بطعام المن والسلوى فانقلبوا غير صابرين على هذا الطعام وحده ليرجوا بعد ذلك نبيهم موسى كي يتضرع الى الله عسى أن يخرج لهم من نبات الأرض المختلف كالبقل والفوم والبصل ، أما البقل فهو نبات اخضرت به الأرض ، وقيل : ما ليس له سوق من النبات .
والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة ، وأما الفوم فهو موضع خلاف المفسرين وأهل اللسان فقد قيل : إنه الثوم المعروف ، وقيل الحنطة وقيل غير ذلك .
هكذا بطر اليهود معيشتهم حتى عافت نفوسهم عيش الخير والنعيم حيث الراحة والرخاء وحيث الطعام النافع الجيد الذي كانوا يتناولونه في غاية اليسر وهو المن والسلوى ليستبدلوا بدلا من ذلك خسيس الطعام ودنيئه مثل البقل والقثاء والفوم وغير ذلك من أصناف الطعام الذي يدنو دون المن والسلوى سواء في المذاق والطعم أو في سهولة الحوز والتحصيل أو في كمال المشروعية والحل كما قيل : وأروع ما يرد في هذا الصدد من بيان كاشف مصور ومعبر هو قول الله سبحانه :
( قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) وأداة الاستفهام تنطوي على التوبيخ المنقرع لمثل هذه الطبائع الفاسدة ، وهي طبائع لا ترتضي ولا تهنأ بكريم العيش ، ولكنها تظل على الدوام نزاعة للخسائس ، ورحم الله الحسن البصري إذ يقول في يهود وهو يعرض لتبيين هذه الآية بالذات : كانوا نتانى أهل كرات وأبصال وأعداس ، فنزعوا الى عكرهم عكر السوء ، واشتقات طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا : لن نصبر على طعام واحد .
قوله : ( أدنى ) من الفعل دنا يغير همز ومنه الدنو أي قلة الثمن ، والدناوة أو الدون وذلك يقال للخسيس من الأشياء أما الفعل المهموز دنأ فهو من الدناءة أي اللؤم والخبث كمما قال بعض اللغويين ، فجاءهم الرد بعد هذا المطلب الغريب البطر بأن يهبطوا مصرا ، وفي قوله : ( مصرا ) جاءت عدة أقوال أهمها قولان : أحدهما أن المقصود بذلك أي مصر من الأمصار على غير تعيين خصوصا وأن مصرا قد وردت في الآية منكرة مصرفة على التنوين ، وذلك الذي عليه جمهور المفسرين ، وذهب آخرون الى أن المقصود هي مصر فرعون واستدلوا على ذلك بما جاء في القرآن من توريث الله لبني إسرائيل ملك فرعون في مصر ، والراجح عندنا هو القول الأول وذلك ما يقتضيه ظاهر الآية في الأمر بدخول القرية علما بأنهم سكنوا الشام بعد ذلك ، فضلا عن إيراد الكلمة ( مصرا ) هكذا منونة مصروفة .
قوله : ( فإن لكم ما سألتم ) ذلك قرار من الله بإعطائهم ما طلبوا من خسيس الطعام ، وهكذا قد امتن الله على بني إسرائيل بإعطائهم ما سألوا لكنهم بطروا ذلك كله ، وآلوا إلا أن يظلموا مدبرين لا يلوون على شيء من التورع أو الامتثال أو الشكران . فما عادوا بعد ذلك ليستأهلوا شيئا من الإعفاء أو التكريم إلا المهانة والهوان والتشتيت في الأرض شذر مذر ، ومن أجل ذلك قال سبحانه : ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ) .
وهذه كلمة الله التي تحمل القرار الرباني الحاسم ، وهو قرار إلهي مقدور لا يقبل التعقيب ، جاء ليعلن للأرض أن هؤلاء القوم قد ضرب الله عليهم الضعف والهوان ليسيروا في الأرض غير أعزاء ولا كرماء ولتحيط بهم غواشي المسكنة ، والمسكنة من السكون وهو ذهاب الحركة ، ومنه المسكين سمي بذلك لقلة حركته وسكونه الى الناس ، ومنه الفعل استكاتن أي خضع وذل .
قد ضرب الله الذل والهوان على بني إسرائيل ليكون ذلك ديدنا لهم يتوارثونه كابرا عن كابر ليحيوا حياة الاستكانة والتدسس ، والخور ، وليكونوا أبد الدهر في شق المنافقين والأشرار من الناس ، وليكونوا في طليعة الذين يتآمرون على البشرية في أروع ما تملك من عقائد وقيم ، وذلك لكي تتبدد هذه المبادىء والقيم فتستحيل البشرية إلى ركام من الخلائق الضالة الممسوخة ، ولتغيب عن وجه الأرض شمس الخير فتستطير بعد ذلك أصوات الشر والباطل والفساد .
ولئن تحقق لبني إسرائيل على مدار الزمن بعض الظهور والتسلط ، فإن ذلك لا يحمل أية منافاة لقرار الله بضرب الذلة والمسكنة عليهم ، ولكن مثل هذا الظهور أو التسلط ليس إلا انعطافا عابرا من مستثنيات الأحداث الشاذة التي يطويها التاريخ في مسيرته الطويلة أو هو مجرد التواء عارض مقدور ، ربما يؤثر في عجلة الزمن الدائر بعض التأثير ، وهو تأثير يحسب في عداد القضايا النادرة المستثناة التي تند من قواعد الأشياء الأساسية ندا والتي تطفو على سطح الأحداث لتمر بغير وزن أو حساب ، ثم تبوء الحياة بعد ذلك الى سابق عهدها في الأصالة الثابتة والاستقرار الدائم .
وقوله : ( وباءوا بغضب من الله ) باء بمعنى رجع من البوء وهو الرجوع ومنه المباءة بمعنى أقر واعترف ، نقول : باء الحق أو الشيء معناه أقر به وألزم نفسه به ، {[68]} وهكذا باء بنو إسرائيل بغضب من الله أي رجعوا وانقلبوا يحملون على كواهلهم وجباههم غضبا من الله ، والغضب هو شدة المقت ، نعوذ بالله عوذا يجنينا مقت الله وغضبه ، ويباعد بيننا وبين أن نبوء بالآثام والمعاصي .
قوله : ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق ) وذلك تعليل لضرب الذلة والمسكنة عليهم ولبوؤهم بغضب الله ، فقد حق ذلك العذاب كله عليهم بسبب ما اقترفوه من جرائم شنيعة نكراء ، منها كفرهم بآيات الله ، وآياته تشمل كتابه المنزل عليهم من السماء ، لهدايتهم وصلاحهم وتشمل كذلك المعجزات التي أوتيها النبيون لتكون لهم علامات واضحة تشهد على نبوتهم وصدق ما يقولون .
ومنها كذلك قتلهم النبيين ، ومفردها النبي وهو من الفعل نبأ وأنبأ أي أخبر ، والنبأ هو الخبر ، ومنه النبوة وأصلها النبوءة ومعناها الإخبار عن الغيب من طريق الوحي ، وقيل نبأ الشيء نبوء بمعنى ارتفع فكأن المقصود بالنبوة السمو والارتفاع . {[69]}
وهذه جريمة بشعة تضاف الى عداد الجرائم التي قارفها بنو إسرائيل وهي قتلهم النبيين بغير حق ، ولا ينبغي أن يؤخذ بالمفهوم المخالف هنا ليظن خطأ أن النبيين يمكن أن يقتلوا بالحق ، وذلك فهم فاسد لا يستقيم ، فإن قوله : ( بغير الحق ) لهو مجرد وصف لجريمة اليهود وهي أنهم كانوا يقتلونهم ظلما وعدوانا ، ولا يعني ذلك أنهم يجوز قتلهم إن أخطأوا فهم أصلا معصومون عن الخطايا كافة في قول أكثر أهل العلم .
ومن المعلوم أن قتل الإنسان ، المؤمن لهو من كبريات الكبائر التي تورد المقترف الجاني مور جهنم ، فكيف بالقتيل إذا كان نبيا من النبيين الأطهار الذين قدسهم الله وعصمهم عصمة تحول بينهم وبين الخطايا والآثام ؟ فلعمر الحق إن جريمة بني إسرائيل فظيعة مريعة ترجف لهولها وبشاعتها القلوب والأبدان ، خصوصا إذا وقفنا على بعض أخبار تذهب الى أنهم كانوا يقتلون النبيين بالجملة كل يوم ، حتى إنهم كانوا يبلغون بضع عشرات يقتلون مرة واحدة ، فيا لهول الجريمة ، وا لفداحة العدوان النكير الذي تهتز لشدته السماوات والأرض .
وقوله : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ( ذلك اسم إشارة وهو تأكيد للمشار إليه مرة أخرى وهو علة ضرب الذلة والمسكنة عليهم ثم بوؤهم بالغضب من الله ، كل ذلك كان علته عصيانهم وعدوانهم ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) .