قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } . اختلفوا في أولي الأمر ، قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم : هم الفقهاء والعلماء الذي يعلمون الناس معالم دينهم ، وهو قول الحسن ، والضحاك ، ومجاهد . ودليله قوله تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء :83 ] . وقال أبو هريرة : هم الأمراء والولاة ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ، ويؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحق علي الرعية أن يسمعوا ، ويطيعوا .
أخبرنا أبو علي حسان بن سعد المنيعي ، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، أنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر عن همام بن منبه ، أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني ) .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أنا محمد ابن إسماعيل ، أنا مسدد ، أنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، حدثني نافع ، عن عبد الله رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) .
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن محمد الراودي ، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد ، أخبرني عبادة بن الوليد ابن عبادة أن أباه أخبره عن عبادة بن الصامت قال : ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ، في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، وعلى أمرة علينا ، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله ، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم . أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبيد الله بن أحمد القفال ، أنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي ، أنا أبو بكر بن محمد بن همدان الصيرفي ، أنا محمد بن يوسف الكديمي ، قال : أخبرنا أبو داود الطيالسي ، عن شعبة عن أبي التياح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر : ( اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) .
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد بعد الجبار بن محمد الجراحي ، أنا أبو العباس ، أنا محمد بن أحمد المحبوبي ، أنا أبو عيسى الترمذي ، أنا موسى بن عبد الرحمن الكندي ، أنا زيد بن الحباب ، أنا معاوية ابن صالح ، حدثني سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال : ( اتقوا الله ، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأدوا زكاة أموالكم ، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم ) .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا صدقة بن الفضل ، أنا حجاج ابن محمد ، عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) . قال : نزلت في عبيد الله ابن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية . وقال عكرمة : أراد بأولي الأمر ، أبا بكر ، وعمر رضي الله عنهما .
حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التهمي ، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان ابن القاسم ، أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي ، أنا عمرو بن أبي غرزة بالكوفة ، أخبرنا ثابت بن موسى العابد ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ) .
وقال عطاء : هم المهاجرون ، والأنصار ، والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) الآية .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنا أبو طاهر محمد بن أحمد ابن الحارث ، أنا محمد بن يعقوب الكسائي قال : أخبرنا عبد الله بن محمود ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن إسماعيل المكي ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام ، لا يصلح الطعام إلا بالملح ) .
قال الحسن : قد ذهب ملحناً فكيف نصلح .
قوله تعالى : { فإن تنازعتم } . أي : اختلفتم .
قوله تعالى : { في شيء } من أمر دينكم ، والتنازع اختلاف الآراء ، وأصله من النزاع فكأن المتنازعين يتجاذبان ويتمانعان .
قوله تعالى : { فردوه إلى الله والرسول } . أي : إلى كتاب الله وإلى رسوله مادام حيا ، وبعد وفاته إلى سنته ، والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما ، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد ، وقيل : الرد إلى الله تعالى والرسول أن يقول لما لا يعلم : الله ورسوله أعلم .
قوله تعالى : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك } ، أي : الرد إلى الله والرسول .
{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } وهم العلماء والفقهاء وقيل الأمراء والسلاطين وتجب طاعتهم فيما وافق الحق { فإن تنازعتم } اختلفتم وتجادلتم وقال كل فريق القول قولي فردوا الأمر في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله { ذلك خير } أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة وردك التجادل { وأحسن تأويلا } وأحمد عاقبة
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) .
الطاعة هي الخضوع والامتثال للأمر ، والمعصية تعني المخالفة للأمر . والله سبحانه يأمر المؤمنين بطاعته هو جلّت قدرته . وطاعته تتحقق في الالتزام بتعاليم القرآن بما فيه من أوامر وزواجر أو حدود وقصاص أو نهي وتحذير . وكذلك يأمرهم بطاعة رسوله الكريم بالالتزام بسنته حال حياته أو بعد مماته . وكذلك فإن أولي الأمر طاعتهم واجبة . وقد قيل : إن المقصود بأولي الأمر هم الحكام والأمراء والقادة الذين يتسلمون مقاليد الحكم والرئاسة ليسوسوا الناس بالحق والعدل . وقيل : بل المقصود معاشر العلماء والفقهاء الذين يبينون للناس ما نزل إليهم في الكتاب وما ورد في سنة النبي ( ص ) ، وهذان القولان خير ما جاء في بيان ( وأولي الأمر ) ولا نركن لما ورد من أقوال أخرى بعيدة عن الصواب .
وفي طاعة الحكام والأمراء المسلمين الذين يسوسون الناس بشريعة الله يقول النبي ( ص ) فيما رواه البخاري : " واسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال : " أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدوع الأطراف " . وأمثال ذلك كثير من السنة النبوية بما يدل على وجوب الطاعة من الرعية للراعي في المنشط والمكره . على أنه يجب التنبيه إلى شرطين ينبغي توفرهما لتكون طاعة المسؤول مشروعة وملزمة .
أحد هذين الشرطين : أن تكون الطاعة في غير معصية الله فإن كان شيء من معصية فلا مساغ عند ذلك للطاعة . فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ( ص ) قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .
ثاني هذين الشرطين : أن يكون الحاكم أو المسؤول الذي تجب له الطاعة من المسلمين لا من غيرهم وذلك لقوله : ( منكم ) وكاف المخاطبين هنا تشير إلى المسلمين أي أطيعوا الحكام والولاة الذين منكم وعلى دينكم وملتكم . فإن كان هناك من غير المسلمين من يحكمهم فلا طاعة له على المسلمين البتة . ونحن إذ نتصور عدم الطاعة من المسلمين إذا حكم الحاكم بمعصية وهو من المسلمين ، فكيف إن كان الحاكم من غير المسلمين كأن يكون يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا مشركا أو شيوعيا ملحدا فإن هؤلاء جميعا لا طاعة لهم على المسلمين . بل ينبغي قتالهم والخروج عليهم مهما كلف الثمن .
ومن ناحية أخرى فإن كل مسلم ومسلمة قد نيطت بهما بيعة فلا مساغ لأحدهما أن يتغاضى عن هذه البيعة أو يتنصل منها . فلا تبرأ له ذمة بالنسبة لهذه المسألة إلا أن يعقد مبايعة مع الإمام ، فالرجل يبايع مصافحة والمرأة تبايع بالخطاب ، فقد أخرج مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ( ص ) قال : " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " قوله : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) التنازع بمعنى التجاذب والمجادلة وهو من الانتزاع فكأن كل واحد من المتجادلين المتخاصمين يجهد في انتزاع حجة الآخر وطرحها . والآية تقضي برد جميع الخصومات والجهالات وما اختلف فيه المسلمون فيما بينهم من أمور الدين والدنيا إلى كتاب الله وسنة نبيه ( ص ) فإنهما بما فيهما قواعد وكليات ومبادئ وأصول أو ما انبثق عنهما من جزئيات وفروع واجتهادات . لحقيقان بفض كل ما يطرأ على البشرية من مشكلات وقضايا مهما امتد الزمن أو دارت عجلة الأيام أو تغيّرت صور الأعراف والبيئات والأوضاع أو تجددت حوائج الناس في شتى بقاع الأرض في مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك .
ورد الأمر إلى الكتاب والسنة حال الخلاف والتنازع أمر واجب لا محيد عنه وهو بالنسبة للمسلمين معتبر من الفرائض الخطيرة التي يحذّر الإسلام من التفريط فيها . ولا يحيد عن الاحتكام إلى شرع الله إلا من خلع ربقة الإسلام من عنقه وارتضى أن يكون من غير المؤمنين لقوله تعالى : ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) .
قوله : ( ذلك خير وأحسن تأويلا ) الإشارة تعود إلى ردّ التنازع والخلاف إلى الكتاب والسنة . وهي في محل رفع مبتدأ . ( خير ) خبر مرفوع . ولا ريب في أن الرجوع إلى الله ورسوله خير للراجعين وهو كذلك ( وأحسن تأويلا ) أي عاقبة ومآلا . فإن الاحتكام إلى الله أبعد عن كل مواطن الضعف والزلل وأسلم من الوقوع في الضلالة والخطل وأنجى للبشرية لتعيش على الدوام سالمة آمنة مطمئنة بعيدة عن المفاسد والشرور وعن كيد الإنسان لأخيه الإنسان .