قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى } ، الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه ، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتاً وهو صغير فجاء عمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إن ابن أخي يتيم في حجري ، فما يحل لي من ماله ؟ ومتى أدفع إليه ماله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية { وابتلوا اليتامى } أي اختبروهم في عقولهم ودينهم وحفظهم أموالهم .
قوله تعالى : { حتى إذا بلغوا النكاح } . أي : مبلغ الرجال والنساء .
قوله تعالى : { فإن آنستم }أبصرتم .
قوله تعالى : { منهم رشداً } ، قال المفسرون : يعني عقلاً وصلاحاً في الدين ، وحفظاً للمال ، وعلماً بما يصلحه ، وقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي : لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخاً حتى يؤنس منه رشدا . والابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم ، فإن كان ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئاً يسيراً من المال وينظر في تصرفه ، وإن كان ممن لا يتصرف في السوق فيختبره في نفقة داره والإنفاق على عبيده وأجرائه ، ويختبر المرأة في أمر بيتها ، وحفظ متاعها ، وغزلها واستغزالها ، فإذا رأى حسن تدبيره ، وتصرفه في الأمور مراراً يغلب على القلب رشده دفع المال إليه . واعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين : بالبلوغ والرشد ، والبلوغ يكون بأحد أشياء أربعة : اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء واثنان مختصان بالنساء ، فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن والثاني الاحتلام ، أما السن : فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلاماً كان أو جارية ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن عيينة عن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد ، وأنا ابن أربع عشرة سنة ، فردني ثم عرضت عليه عام الخندق ، وأنا ابن خمس عشرة سنة ، فأجازني . قال نافع : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز ، فقال : هذا فرق بين المقاتلة والذرية ، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة في المقاتلة ومن لم يبلغها في الذرية ، وهذا قول أكثر أهل العلم . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : " بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة ، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة " وأما الاحتلام فنعني به : نزول المني ، سواء كان بالاحتلام أو الجماع ، أو غيرهما ، فإذا حدث ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه لقوله تعالى : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا } وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية حين بعثه إلى اليمن : ( خذ من كل حالم دينارا ) وأما الإنبات : وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج ، فهو بلوغ في أولاد المشركين ، لما روي عن عطية القرظي قال : كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ، ومن لم ينبت لم يقتل ، فكنت ممن لم ينبت . وهل يكون ذلك بلوغاً في أولاد المسلمين ؟ فيه قولان : أحدهما : يكون بلوغاً كما في أولاد الكفار ، والثاني : لا يكون بلوغاً ، لأنه لا يمكن الوقوف على مواليد المسلمين بالرجوع إلى آبائهم ، وفي الكفار لا يوقف على مواليدهم ، ولا يقبل قول آبائهم فيه لكفرهم ، فجعل الإنبات للذي هو إمارة البلوغ بلوغاً في حقهم . وأما ما يختص بالنساء فالحيض ، والحبل ، فإذا حاضت المرأة بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغها وكذلك إذا ولدت يحكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل ، وأما الرشد : فهو أن يكون مصلحاً في دينه وماله ، والصلاح في الدين هو أن يكون مجتنباً عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة ، والصلاح في المال هو أن لا يكون مبذراً ، والتبذير : هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية ، أو لا يحسن التصرف فيها ، فيغبن في البيوع ، فإذا بلغ الصبي وهو مفسد في دينه وغير مصلح لماله ، دام الحجر عليه ، ولا يدفع إليه المال ، ولا ينفذ تصرفه ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه إذا كان مصلحاً لماله زال الحجر عنه ، وإن كان مفسداً في دينه ، وإذا كان مفسداً لماله قال : لا يدفع إليه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة ، غير أن تصرفه يكون نافذاً قبله ، والقرآن حجة لمن استدام الحجر عليه ، لأن الله تعالى قال : { حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً }
قوله تعالى : { فادفعوا إليهم أموالهم } أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد . والفاسق لا يكون رشيداً ، وبعد بلوغه خمساً وعشرين سنة وهو مفسد لماله بالاتفاق غير رشيد ، فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن ، وإذا بلغ وأونس منه الرشد زال الحجر عنه ودفع إليه المال رجلاً كان أو امرأة تزوج أو لم يتزوج . وعند مالك رحمه الله تعالى : إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج فإذا تزوجت دفع إليها ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج ما لم تكبر وتجرب ، وإذا بلغ الصبي رشيداً وزال الحجر عنه ثم عاد سفيهاًنظر ، فإن عاد مبذراً لماله حجر عليه ، وإن عاد مفسداً في دينه فعلى وجهين : أحدهما يعاد الحجر عليه كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه الصفة ، والثاني : لا يعاد لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء . وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، لا حجر على الحر العاقل البالغ بحال ، والدليل على إثبات الحجر من اتفاق الصحابة رضي الله عنهم ما روي عن هشام ابن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضاً سبخة بستين ألف درهم فقال علي : لآتين عثمان ، فلأحجرن عليك ، فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك فقال الزبير : أنا شريكه ، فقال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه في الزبير ؟ فكان ذلك اتفاقاً منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير في دفعه .
قوله تعالى : { ولا تأكلوها } . يا معشر الأولياء .
قوله تعالى : { إسرافاً } . بغير حق .
قوله تعالى : { وبداراً } . أي مبادرة .
قوله تعالى : { أن يكبروا } . و " أن " في محل النصب . يعني : لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذراً أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم ، ثم بين ما يحل لهم من مالهم .
قوله تعالى : { ومن كان غنياً فليستعفف } . أي ليمتنع من مال اليتيم فلا يرزؤه قليلاً ولا كثيراً ، والعفة : الامتناع مما لا يحل .
قوله تعالى : { ومن كان فقيراً } . محتاجاً إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده
قوله تعالى : { فليأكل بالمعروف } .
أخبرنا محمد بن الحسن المروزي ، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر السنجري أخبرنا الإمام أبو سليمان الخطابي ، أخبرنا أبو بكر بن داسة التمار ، أخبرنا أبو داود السجستاني ، أخبرنا حميد بن مسعدة أن خالد بن الحرث حدثهم ، أخبرنا حسين يعني المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم فقال : " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل " . واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء ؟ فذهب بعضهم إلى انه يقضي إذا أيسر ، وهو المراد من قوله { فليأكل بالمعروف } ، فالمعروف القرض ، أي يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه فإذا أيسر قضاه ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير ، قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت . وقال الشعبي : لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة . وقال قوم : لا قضاء عليه ، ثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف ، فقال عطاء وعكرمة : يأكل بأطراف أصابعه ، ولا يسرف ولا يكتسي منه . وقال النخعي : لا يلبس الكتان ولا الحلل ولكن ما سد الجوعة ووارى العورة ، وقال الحسن وجماعة : يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه . فأما الذهب والفضة فلا ، فإن أخذ شيئاً منه فعليه رده ، وقال الكلبي : المعروف ركوب الدابة ، وخدمة الخادم ، وليس له أن يأكل من ماله شيئا .
أخبرنا أبو إسحاق السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد أنه قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن لي يتيماً وإن له إبلاً ، أفأشرب من لبن إبله ؟ فقال : إن كنت تبغي ضالة إبله وتهنا جرباها وتليط حوضها وتسقيها يوم ورودها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب .
وقال بعضهم : والمعروف أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله ولا قضاء عليه ، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم .
قوله تعالى :{ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } . هذا أمر إرشاد ، وليس بواجب ، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة .
قوله تعالى : { وكفى بالله حسيباً } محاسباً ومجازياً وشاهداً .
{ وابتلوا اليتامى } أي اختبروهم في عقولهم وأديانهم { حتى إذا بلغوا النكاح }
أي حال النكاح من الاحتلام { فإن آنستم } أبصرتم { منهم رشدا } صلاحا للعقل وحفظا للمال { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } أي لا تبادروا بأكل مالهم كبرهم ورشدهم حذر أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم { ومن كان غنيا } من الأوصياء { فليستعفف } عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئا { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } يقدر أجرة عمله { فإذا دفعتم } أيها الأولياء { إليهم } إلى اليتامى { أموالهم فأشهدوا عليهم } لكي إن وقع اختلاف أمكن الولي أن يقيم البينة على رد المال إليه { وكفى بالله حسيبا } محاسبا ومجازيا للمحسن والمسيء
قوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) .
نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وفي عمه . فقد توفي رفاعة وترك ابنه صغيرا من بعده فأتى عم ثابت إلى النبي ( ص ) وقال : إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فنزلت الآية{[695]} .
قوله : ( وابتلوا اليتامى ) أي امتحنوهم واختبروهم لتعلموا نجابتهم ومعرفتهم بالسعي في مصالحهم وضبط أموالهم ، ويكون ذلك عقب بلوغهم النكاح أي البلوغ أو الحلم .
قوله : ( فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) الرشد معناه : الصلاح وإصابة الصواب ، وهو خلاف الغي والضلال والمراد به هنا : الصلاح في العقل والدين وحفظ المال{[696]} أي إن أبصرتم وأحسستم منهم صلاحا في العقل والدين وحفظ المال ولم تخشوا منهم تفريطا في المال وتبديدا فأعطوهم أموالهم التي كانت لهم بحوزتكم وتحت رعايتكم .
ويؤخذ من هذه الآية أن دفع المال لليتيم إنما يكون بشرطين هما : إيناس الرشد ثم البلوغ . فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال إليه . وذلك الذي عليه جمهور الفقهاء . لكن أبا حنيفة قد أسقط إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة . فإنه لو بلغ اليتيم خمسا وعشرين سنة وجب دفع المال إليه ولو لم يكن راشدا . وقد علّل أبو حنيفة ذلك بأنه ( الموصى عليه ) في مثل هذه السن يصبح جدا ولا يعقل أن يحجر على الجد . والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من بقاء الحجر عليه مادام غير راشد بالغا من السن ما بلغ . وذلك ما يقتضيه ظاهر الآية ( رشدا ) فلا معنى لدفع المال إليه ما دام مفرطا في المال ، وغير صالح في التصرف ؟
واختلف الفقهاء في لزوم الرفع إلى السلطان عند دفع المال إلى اليتيم أم أن ذلك موكول إلى اجتهاد الوصيّ فسه من غير حاجة إلى إبلاغ السلطان . فقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الرفع إلى السلطان ليثبت عنده رشد اليتيم ثم يدفع إليه ماله . وقال آخرون : إنه يكفي في ذلك اجتهاد الوصي ومعرفته بحال اليتيم إن كان قد بلغ الرشد أو لم يبلغ .
ولو أن الوصيّ سلّم اليتيم ماله بعد الرشد ثم عاد إليه السفه لتبذير أو سوء تدبير أو غيره فعل يعود إليه الحجر في ماله ؟ قال مالك والشافعي في أحد قوليه بعودة الحجر . وقال أبو حنيفة : لا يعود إليه الحجر لمجرد بلوغه عاقلا وذلك بدليل صحة إقراراه في الحدود والقصاص . واستبدال مالك والشافعي على عودة الحجر بقوله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) وهذا هو الراجح والله أعلم{[697]} .
وقد ورد في بيان كلمة ( بالمعروف ) أقوال عديدة نقتصر منها على اثنين . فقال قوم : المقصود بالمعروف هو القرض يأخذه الوصي من مال اليتيم إذا احتاج إليه حتى إذا أيسر قضه إياه . وهو قول كثير من أهل العلم منهم عمر بن الخطب وعبد الله بن عباس والأوزاعي وغيرهم . أما القول الثاني : فلا قضاء على الوصيّ الفقير فيما يأكل بالمعروف ؛ لأن ذلك في مقابل حرصه وانشغاله بالعناية والاهتمام بمال المحجور . وهي طعمة من الله له . وقدر المعروف هنا أن يأكل ما يسد جوعته ويكتسي بما يستر عورته ولا يلبس الرفيع الفاخر من الحلل وغير ذلك . وذلك هو قول جمهور الفقهاء . وهو الراجح ، والدليل على صحة ذلك إجماع الأمة على أن الإمام الناظر لشؤون المسلمين لا يجب عليه دين عوضا عما أكل بالمعروف من أموال المسلمين .
قوله : ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) إذا دفع الوصيّ مال اليتيم إليه بعد البلوغ والرشد فعليه الإشهاد على ذلك وهو من قبيل التثبت وإزالة الشبهة والتهمة . وهذا الإشهاد مستحب عند فريق من أهل العلم . وقال آخرون : بل انه فرض لظاهر الآية والله أعلم .
والتعقيب المناسب في الآية أن يخوف الله عباده الأوصياء فلا يميلوا أو يقصروا ، فإنه سبحانه يجازيهم على أفعالهم أو ما تكنه صدورهم وكفى به محاسبا ومجازيا{[698]} .