قوله تعالى : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو نبيكم ، كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) . وهو منسوب إلى الأم ، أي هو على ما ولدته أمه . وقيل : هو منسوب إلى أمته ، أصله أمتي ، سقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني ، وقيل : هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة .
قوله تعالى : { الذي يجدونه } أي : يجدون صفته ونعته ونبوته .
قوله تعالى : { مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل } . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثنا هلال ، عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ، قال : أجل والله ، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ، وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، ويفتح به أعيناً عمياً ، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً ) . تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة .
وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن ابن سلام ، أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني ، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ، أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر ابن بسطام ، أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي ، حدثنا عبد الله ابن عثمان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال : إني أجد في التوراة مكتوباً : محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحمادون ، يحمدون الله في كل منزلة ، ويكبرونه على كل نجد ، يأتزرون على أنصافهم ، ويوضئون أطرافهم ، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء ، مناديهم ينادي في جو السماء ، لهم في جوف الليل دوي النحل ، مولده بمكة ، ومهاجره بطابة ، وملكه بالشام .
قوله تعالى : { يأمرهم بالمعروف } أي : بالإيمان .
قوله تعالى : { وينهاهم عن المنكر } أي : عن الشرك ، وقيل : المعروف : الشريعة والسنة ، والمنكر : مالا يعرف في شريعة ولا سنة ، وقال عطاء : { يأمرهم بالمعروف } بخلع الأنداد ، ومكارم الأخلاق ، وصلة الأرحام ، { وينهاهم عن المنكر } : عن عبادة الأوثان ، وقطع الأرحام .
قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } يعني : ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام .
قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } يعني : الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، والزنا وغيرها من المحرمات .
قوله تعالى : { ويضع عنهم إصرهم } ، قرأ ابن عامر ( آصارهم ) بالجمع ، والإصر : كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل ، قال ابن عباس ، والحسن ، والضحاك ، والسدي ، ومجاهد ، يعني العهد الثقيل ، كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة . وقال قتادة : يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين .
قوله تعالى : { والأغلال } ، يعني : الأثقال .
قوله تعالى : { التي كانت عليهم } ، وذلك مثل : قتل النفس في التوراة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض ، وتعيين القصاص في القتل ، وتحريم أخذ الدية ، وترك العمل في السبت ، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس ، وغير ذلك من الشدائد ، شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق .
قوله تعالى : { فالذين آمنوا به } ، أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : { وعزروه } . وقروه .
قوله تعالى : { ونصروه } على الأعداء .
قوله تعالى : { واتبعوا النور الذي أنزل معه } . يعني : القرآن .
{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ وكانت هذه الخلة مؤكدة لمعجزته في القران { الذي يجدونه } بنعته وصفته { مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف } بالتوحيد وشرائع الإسلام { وينهاهم عن المنكر } عبادة الأوثان وما لا يعرف في شريعة { ويحل لهم الطيبات } يعني ما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل وشحوم الضأن { ويحرم عليهم الخبائث } الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة { ويضع عنهم إصرهم } ويسقط عنهم ثقل العهد الذي أخذ عليهم { والأغلال التي كانت عليهم } الشدائد التي كانت عليهم كقطع آثر البول وقتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة { فالذين آمنوا به } من اليهود { وعزروه } ووقروه { ونصروه } على عدوه { واتبعوا النور الذي أنزل معه } يعني القرآن الآيتين
قوله تعالى : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هن المفلحون } هذه الآية تؤكد المعنى السابق ومفاده أن الله يكتب رحمته الواسعة { للذين يتقون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } وهم أمة الاسلام ، أمة محمد صلى الله عليه وسلم . أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فلاحظ لهم في الإيمان الحقيقي والصحيح ؛ لأنهم أمنوا ببعض النبيين وكفروا ببعضهم وذلك هو الجحد والكفران فضلا عما فعلوه في كتبهم السماوية من تغيير وتبديل .
قوله : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } هذا الكلام من الله لموسى من قبل أن ينزل الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون في المستقبل . والرسول النبي الأمي هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادتها من السذاجة والبدائية . فلم تتعلم الكتابة ولا القراءة . وفي ذلك جاء في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) وهذه علامة ظاهرة بلجة تكشف عن صدق نبوة هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ، وهي كونه أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة . لا جرم أن ذلك أبلغ في الدليل وأعظم في ظهور الحجة على صدق نبوته وأنه مرسل من عند الله ، وأن ما أنزل إليه من ربه الحق ، وهو القرآن الحكيم . هذا الكتاب المبارك الممجد الذي يعبق به الخير وتفوح منه الرحمة والبركة على الإنسانية والكائنات جميعا . وهو الذي تتندى منه ظواهر شتى من الإعجاز مما ليس له نظير في كلام الأولين والآخرين ، إن هذا الكتاب في روعة كلمه ، وجمال أسلوبه ، وعلو مستواه ، وكمال مبناه ، وجليل مضمونه ومحتواه ؛ إنما يدل على أنه من لدن رب العالمين . وأنى لبشر من البشر أن يصطنع شيئا مثل هذا الكلام العجيب الفذ ؟ ! مع التذكير والتنبيه أن محمدا صلى الله عليه وسلم رجل أمي ما عرف الكتابة ولا القراءة . وما درس من العلوم أو المعارف شيئا . وما تلقى من أخبار التاريخ أو الفلك أو الطبيعة أو غير ذلك من علوم الحياة .
قوله : { الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } ذلك هو ذكر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في الكتب السماوية السابقة ؛ إذ بشر بها النبييون السابقون أممهم أن الله مرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوثا للعالمين فأمرهم بتصديقه واتباعه ولم يزل صفته موجودة في التوراة والإنجيل لولا الضالون منهم الذين بدلوا كلام الله تبديلا ، وأسرفوا في تحريف كتبهم ، وأنكروا صفته صلى الله عليه وسلم . وفي ذلك روي الإمام أحمد عن رجل من الأعراب قال : جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغت من بيعي قلت : لألفين هذا الرجل فلأسمعن منه . قال : فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي ؟ ) فقال برأسه : هكذا . أي لا . فقال ابنه : والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال : ( أقيموا اليهودي عن أخيكم ) ثم تولى كفنه والصلاة عليه .
قوله : { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } ذلك إخبار عن رسالة الإسلام للبشرية . الرسالة الكاملة الشاملة المعتدلة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم لهداية العالمين وتخليصهم من الشرور والمفاسد والآفات النفسية والاجتماعية والفكرية وغيرها ، ولتنجيهم من أهوال القيامة .
وأول هذه الواجبات من التبليغ التي نيطت برسول الله { يأمرهم بالمعروف } وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته في أوامره ونواهيه ، والدعوة إلى مكارم الأخلاق كالبر والإحسان والحياء والرحمة وصلة الأرحام ونحو ذلك .
وثاني هذه الواجبات { وينهاهم عن المنكر } وهو الشرك بالله ، واجتناب ما نهى اله عنه وزجر ، كقطع الأرحام ، وعقوق الوالدين ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وظلم الناس بكل صور الظلم وأشكاله .
وثالث هذه الواجبات { ويحل لهم الطبيات } أي يحل لهم ما كان أهل الجاهلية يحرمونه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي وغير ذلك من عادات الجاهلية مما كان فيه تضييق على أنفسهم .
ورابع هذه الواجبات : { ويحرم عليهم الخبائث } أي المحرمات كلحم الخنزير والربا والقمار والميتة وغير ذلك من المستقذرات كالأفاعي والعقارب والضفادع والخنافس نحو ذلك من الخبائث .
وخامس هذه الواجبات { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } الإصر معناه الثقل والعهد{[1537]} ؛ أي أن هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم جاء ليضع بشريعة القرآن العهد الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل من إقامة التوراة والعمل بما فيها من الواجبات الشديدة والأعمال الثقال مما تضيق به النفوس وتفتر العزائم وتنثني دونه الهمم بمرور الزمن . لقد وضع الله عنهم بشريعة الإسلام هذه التكاليف الشاقة كقرض الثوب بالمقراض إذا أصابه بول . وقيل : قرض الجلد من البول . وكذلك تحريم الغنائم ، وتحريم مجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها ؛ فقد كانوا إذا حاضت المرأة لا يقربونها . وغير ذلك مما كان مفروضا عليهم ثم نسخ بالقرآن ، أما الأغلال ، فهي جمع غل ، بالضم . وهو طوق من حديد يجعل ف العنق{[1538]} والمراد به في الآية هنا ، تلك التكاليف الشاقة والواجبات الثقال التي لزمت بني إسرائيل ثم نسخت بشريعة الإسلام . هذا الدين الذي بني على التيسير والسماحة وهو ما يعبر عنه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( بعثت بالحنيفية السمحة ) .
قوله : { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } عزروه ، من التعزيز ، وهو التوقير والتعظيم{[1539]} . أي أن الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغروره ، أي وقروه وعظموه ونصوره وذادوا عنه كيلا يخلص إليه أذى أو مكروه { واتبعوا النور الذي أنزل معه } يعني القرآن { أولك من المفلحون } أي أن هؤلاء الذين يتصفون بتلك الصفات من الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتأييده بالمناصرة ، وبذل العون له والتعظيم ، واتباع ما جاء به هذا النبي من الكتاب المنزل الحكيم ؛ فإنهم الفائزون الناجون في الدنيا والآخرة{[1540]} .