أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (25)

{ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا } أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها ، وثاني مفعولي { اتخذتم } محذوف ويجوز أن تكون مودة المفعول الثاني بتقدير مضاف أي اتخذتم أوثان سبب المودة بينكم أو بتأويلها بالمودودة ، وقرأها نافع وابن عامر وأبو بكر منونة ناصبة بينكم والوجه ما سبق ، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس مرفوعة مضافة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة بينكم ، والجملة صفة { أوثانا } أو خبر إن على { إنما } مصدرية أو موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول ، وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح { بينكم } كما قرئ { لقد تقطع بينكم } وقرئ " إنما مودة بينكم " . { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } أي يقوم التناكر والتلاعن بينكم ، أو بينكم وبين الأوثان على تغليب المخاطبين كقوله تعالى : { ويكونون عليهم ضدا } { ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } يخلصونكم منها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} (25)

قوله : { وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ما ، في قوله : { إِنَّمَا } تحتمل وجهين . أحدهما : أن تكون اسما موصولا بمعنى الذي ، في موضع نصب اسم إن . والتقدير : إن الذين اتخذتموهم من دون الله أوثانا .

وثانيهما : أن تكون ما ، كافة عن العمل ، فيكون أوثانا منصوبا على أنه مفعول للفعل اتخذتم . ومودة منصوب على أنه مفعول لأجله ؛ أي إنما اتخذتم الأوثان للمودة فيما بينكم{[3553]} .

وعلى هذا يكون المعنى : إن إبراهيم قال لقومه المشركين موبخا لهم توبيخا : إنما اتخذتم هذه الأصنام معبودة لكم من دون الله لأجل التودد ، والتواصل فيما بينكم ولاجتماعكم على عبادتها ، أو جعلتم الأوثان تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا } أي تنقلب الخلُة يوم القيامة عداوة على أصحابها فيفترق الأخلاء يومئذ ويتباغضون ، ويتبرأ الصّحاب المتوادون على الأصنام ، بعضهم من بعض يوم القيامة ، ويلعن بعضهم بعضا بعد أن كانوا في الدنيا متواصلين مجتمعين على الباطل .

وهذه هي حال المجرمين الظالمين الذين يجمعهم الباطل وتشدهم عُرى الفساد والضلال على اختلاف ضروبه ومسمياته في الدنيا ، ليكونوا يدا واحدة على الحق وأهله ، أو على الإسلام والمسلمين . لكنهم إذا سيقوا يوم القيامة إلى ربهم غشيهم الذل والمهانة وأرهقهم الذعر والخزي والعار فانقلبوا بين يدي الله خزايا متفرقين ، وقد كفر بعضهم ببعض ولعن بعضهم بعضا . ثم مصيرهم جميعا إلى النار وبئس المأوى والقرار . وهو قوله : { وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ } ليس لهم حينئذ من مجير ولا نصير يكشف عنهم البلاء أو يدرأ عنهم شيئا من العذاب وإنما هم مجتمعون في النار يتقاحمون فيها كما تتقاحم القردة بلعن بعضهم بعضا ، ويكيل بعضهم لبعض التَّسابَّ والتشاتم واللعائن{[3554]} .


[3553]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 242.
[3554]:تفسير ابن كثير ج 3 ص 409، وتفسير البيضاوي ص 527.