وقيل : { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ } بعد ما أصابهم من القحط حينما دعا عليهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم .
حين جعَلَ الحرَمَ آمِناً ، وأجارَهم من عدوِّهم .
ويقال : أنعم عليهم بأن كفاهم الرحلتين بجلْبِ الناسِ الميرةَ إليهم من الشام ومن اليمن .
وَوجْهِ المِنَّةِ في الإطعام والأمان هو أن يتفرَّغوا إلى عبادة الله ؛ فإِنَّ مَنْ لم يكن مكْفِي الأمور لا يتفرَّغُ إلى الطاعة ، ولا تساعده القوة ولا القلبُ إلاَّ عند السلامة بكلِّ وجهٍ ، وقد قال تعالى :
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ } [ البقرة : 155 ] فقدَّم الخوف على جميع أنواع البلاءِ .
4- الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف .
إن الله رب البيت العتيق ، هو الذي أطعمهم من جوع ، فيسّر لهم التجارة الرابحة التي تجوب البلاد إلى الشام صيفا ، وإلى اليمن شتاء ، فزادت ثروتهم ، وكانت مكة من البلاد الغنيّة بسبب التجارة ، وبسبب محافظة الناس على تجارة قريش وأهل مكة .
حيث ردّ أصحاب الفيل وأهلك جيشهم ، وجعل البيت الحرام منطقة أمان يقام عندها الحج ، ويؤدي الناس المناسك والعبادة .
قال تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس . . . ( المائدة : 97 ) .
أي : يقوم عندها أمر الدين ، وتتم عندها وحولها مناسك الحج والعمرة .
لتتجه قريش بعبادتها إلى الله وحده ، الذي أنعم عليها بنعم عديدة ، يكفي أن يكون من بينها رحلة الشتاء والصيف ، وليشكروا الله الذي يسر لهم الرزق والأقوات ، كما جعلهم في أمن بسبب البيت الحرام .
قال تعالى : ومن دخله كان آمنا . . . ( آل عمران : 97 ) .
ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة ، ومن عصاه سلبهما منه .
وضرب الله مثلا قرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون* ولقد جاءهم رسول منهم فكذّبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمونii . ( النحل : 112 ، 113 ) .
( تم بحمد الله تعالى وتوفيقه تفسير سورة قريش )
ii مختصر تفسير ابن كثير المجلد الثالث 670 . تحقيق محمد علي الصابوني دار القرآن الكريم دمشق .
{ أطعمهم من جوع } : وسّع عليهم الرزق .
{ آمنهم من خوف } : جعلهم في أمنٍ من التعدّي عليهم .
والواقع أن من أكبرِ النعم على الإنسان وجودَه في بلده آمنا رزقُه مكفولٌ ميسَّر . وهكذا ، فإن السورةَ الكريمة تجمع أهم ما يطلبه الإنسان وهو الأمن والشِبَع والاستقرار .
وفي الحديث الشريف : « من أصبح منكم آمناً في سِربه ، معافىً في جسَده ، وعنده قوتُ يومه ، فكأنما حِيزَتْ له الدّنيا » ، رواه البخاري في الأدب المفرد ، والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن محصن الأنصاري أبي عمرو .
ومعنى آمناً في سِربه : أمينا على نفسِه ، مطمئن البال في حَرَمه وأهله .
وقد كانت قريش أولَ أمرها متفرقة حول مكة ، فوحّدها قُصَيُّ قبل ظهور الإسلام بنحو مائة سنة ، وأسكنها مكة ، ونظّم شؤونها ، ووضع أساسَ سيادتها الدينية والسياسية ، وأسَّس دارَ الندوة حيث كان يجتمع أعيانُ قريش للتشاور في أمور السلم والحرب ، وإنجازِ معاملاتهم .
وتنقسم قريش إلى قريش البِطاح ، وهي التي تسكن مكة وتضم بطون : هاشم ، وأميّة ، ونوفل ، وزهرة ، ومخزومِ ، وأسَد ، وجُمَح ، وسَهْم ، و تَيْم ، وعَدِي .
وقريش الظواهر : وكانوا خليطاً من العوام والأحابيش والموالي ، يسكنون ضواحي مكةَ ، وفي شِعاب التلال المجاورة لها .
وكانت قريش البِطاح تؤلف ارستقراطيةَ مكة ، وتهيمن على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في أواسط بلاد العرب وغربها . وكانت لهم تجارةٌ واسعة كما تقدّم . وبفضل تعظيم العرب للكعبة ، وحجِّهم إليها ، اكتسبت قريش فوائدَ اقتصادية ونفوذاً روحياً وسياسياً بين القبائل ، كما اشتهر القرشيون بفصاحتهم . ولهجةُ قريش هي الفصحى التي سادت أكثرَ أنحاءِ شبه الجزيرة العربية في الجاهلية ، وبها نزل القرآن الكريم .
{ الذي أطعمهم من جوع } أي من بعد جوع بحمل الميرة إلى مكة ، { وآمنهم من خوف } بالحرم ، وكونهم من أهل مكة حتى لم يتعرض لهم في رحلتهم . وقال عطاء عن ابن عباس : إنهم كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين ، وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني ، حتى كان فقيرهم كغنيهم . قال الكلبي : وكان أول من حمل السمراء من الشام ورحل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف ، وفيه يقول الشاعر :
قل للذي طلب السماحة والندى*** هلا مررت بآل عبد مناف
هلا مررت بهم تريد قراهم*** منعوك من ضر ومن أكفاف
الرائشين وليس يوجد رائش*** والقائلين هلم للأضياف
والخالطين فقيرهم بغنيهم*** حتى يكون فقيرهم كالكافي
والقائمين بكل وعد صادق*** والراحلين برحلة الإيلاف
عمرو العلا هشم الثريد لقومه*** ورجال مكة مسنتون عجاف
سفرين سنهما له ولقومه*** سفر الشتاء ورحلة الأصياف
وقال الضحاك والربيع وسفيان : { وآمنهم من خوف } من خوف الجذام ، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام .
قوله : { الذي أطعمهم من جوع } يمنّ الله عليهم أن أطعمهم بعد جوع . وذلك بسبب دعوة إبراهيم ( عليه الصلاة والسلام ) إذ قال : { وارزقهم من الثمرات } .
قوله : { وآمنهم من خوف } آمنهم الله مما كان الناس من غير أهل الحرم يخافون منه كالغارات والحروب . فكانوا بذلك آمنين مطمئنين{[4864]} .