أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا} (9)

{ أم حسبت } بل أحسبت . { أن أصحاب الكهف والرّقيم } في إبقاء حياتهم مدة مديدة . { كانوا من آياتنا عجبا } وقصتهم بالإضافة إلى خلق ما على الأرض من الأجناس والأنواع الفائتة للحصر على طبائع متباعدة وهيئات متخالفة تعجب الناظرين من مادة واحدة ، ثم ردها إليها ليس بعجيب مع أنه من آيات الله كالنزر الحقير . و{ الكهف } الغار الواسع في الجبل . و{ الرقيم } اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم ، أو اسم قريتهم أو كلبهم . قال أمية بن أبي الصلت :

وليس بها إلا الرّقيم جاوراً *** وصيدهُمو والقوم في الكهف هُجّد

أو لوح رصاصي أو حجري رقمت فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف . وقيل أصحاب الرقيم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم ، فأخذتهم السماء فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدت بابه . فقال أحدهم اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته ، فقال أحدهم : استعملت أجراء ذات يوم فجاء رجل وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم فأعطيته ثم أجرهم ، فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته في جانب البيت ، ثم مر بي بقر فاشتريت به فصيلة فبلغت ما شاء الله ، فرجع إلي بعد حين شيخا ضعيفا لا اعرفه وقال : إنه لي عندك حقا وذكره لي حتى عرفته فدفعتها إليه جميعا ، اللهم أن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا ، فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء . وقال آخر : كان فيّ فضل وصابت الناس شدة ، فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفا فقلت : والله ما هو دون نفسك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثا ، ثم ذكرت لزوجها فقال أجيبي له وأغيثي عيالك ، فأتت وسلمت إلي نفسها فلما تكشفتها وهممت بها ارتعَدت فقلت : ما لك قالت أخاف الله ، فقلت لها : خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ملتمسها ، اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا ، فانصدع حتى تعارفوا . وقال الثالث كان لي أبوان هرمان وكانت لي غنم وكنت أطعمهما وأسقيهما ثم أرجع إلى غنمي فحبسني ذات يوم غيث فلم أبرح حتى أمسيت ، فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما ، فوجدتهما نائمين فشق علي أن أوقظهما ، فوقعت جالسا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما . اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا . ففرج الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك نعمان بن بشير .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا} (9)

{ 9-12 } { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا }

وهذا الاستفهام بمعنى النفي ، والنهي . أي : لا تظن أن قصة أصحاب الكهف ، وما جرى لهم ، غريبة على آيات الله ، وبديعة في حكمته ، وأنه لا نظير لها ، ولا مجانس لها ، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثير ، من جنس آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها ، فلم يزل الله يري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ، ما يتبين به الحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب ، بل هي من آيات الله العجيبة ، وإنما المراد ، أن جنسها كثير جدا ، فالوقوف معها وحدها ، في مقام العجب والاستغراب ، نقص في العلم والعقل ، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله ، التي دعا الله العباد إلى التفكير فيها ، فإنها مفتاح الإيمان ، وطريق العلم والإيقان . وأضافهم إلى الكهف ، الذي هو الغار في الجبل ، الرقيم ، أي : الكتاب الذي قد رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم ، لملازمتهم له دهرا طويلا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا} (9)

قوله تعالى : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ( 9 ) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ( 10 ) فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ( 11 ) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ( 12 ) } .

معنى ( أم ) ، ههنا ، الاستفهام على الإنكار ؛ أي أحسبتَ يا محمد أن واقعة أهل الكهف كانت عجيبة ؟ فلا تحسب ذلك ؛ فإن تلك الواقعة في جانب ما خلقناه ليست عجيبة . أو لا يعظم ذلك عندك بتعظيم السائلين الكافرين له . فما خلق الله من سموات وأرض وما فيهما وما بينهما أعظم من قصة أهل الكهف . وذلك أن مشركين سألوا النبي ( ص ) عن فتية قد فقدوا ، وعن ذي القرنين ، وعن الروح ، ثم نزلت الآية في شأن ذلك ؛ إذ قال الله لنبيه : أحسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ؟ إنهم ليسوا بعجب من آياتنا ، فما خلقناه في الكون من آيات عظام أشد عجبا مما حسبوه .

أما الكهف : فهو البيت المنقور في الجبل وجمعه كهوف{[2773]} ، أو هو الغار في الجبل ، وهو الذي أوى إليه هؤلاء الفتية المؤمنون الذين فروا بدينهم إلى خارج البلد والأهل خشية الفتنة . وأما الرقيم ، فهو اسم الوادي الذي فيه الكهف . وقيل : الجبل الذي فيه الكهف . وقيل : الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف .


[2773]:- المصباح المنير جـ2 ص 204.