{ ولنُسكننّكم الأرض من بعدهم } أي أرضهم وديارهم كقوله تعالى : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها } وقرئ " ليهلكن " " وليسكننكم " بالياء اعتبارا لأوحى كقولك : أقسم زيد ليخرجن . { ذلك } إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين . { لمن خاف مقامي } موقفي وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد للحكومة يوم القيامة ، أو قيامي عليه لا عمله وقيل المقام مقحم . { وخاف وعيد } أي وعيدي بالعذاب أو عذابي الموعود للكفار .
مقامي : أي : الموقف المملوك لله ، الذي يقف به العباد بين يديه للحساب ، أو قيامه على عبده ومراقبته إياه .
وعيد : وعدي بعذاب الكفار والعصاة يوم القيامة .
{ ولنسكننّكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } .
أي : أوحى الله إلى رسله : بأن العاقبة ستكون للمؤمنين ، في ميراث أرض الكافرين ؛ تلك سنّة الله تعالى في خلقه ، أن يعاقب الظالمين المعتدين ، وأن يأخذ بيد المؤمنين العاملين .
قال تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }( الأنبياء : 105 ) .
وفي سورة القصص ، ذكر الله تعالى جانبا كبيرا من قصة موسى مع فرعون ، وصدر قصة موسى في سورة القصص بالعبرة والمغزى ، حيث قال سبحانه : { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين* ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون }( القصص : 6 ، 5 ) .
وقال سبحانه : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي }( المجادلة : 21 ) .
وقال عز شأنه : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين* إنهم لهم المنصورون* وإن جندنا لهم الغالبون }( الصافات : 171 173 ) .
وفي ختام الآية نجد قوله تعالى :
{ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد } .
أي : ذلك الذي مرّ بيانه من إهلاك الظالمين ، وإسكان المؤمنين أرضهم وديارهم ، أمر ثابت لكل من خاف قيامي عليه بحفظ أعماله ، ومراقبتي إياه ، وزادت خشيته من مقام ربه ، وجلال عظمته ؛ وخاف وعيدي بالحساب والعذاب للكفرة والعصاة والظالمين .
قال الزمخشري : والمراد بالأرض في قوله تعالى : { ولنسكننّكم الأرض من بعدهم }( إبراهيم : 14 ) : أرض الظالمين وديارهم ، ونحوه : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها }( الأعراف : 137 ) .
وقوله تعالى : { وأورثكم أرضهم وديارهم }( الأحزاب : 27 ) .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من آذى جاره ؛ ورثه الله داره )7 .
ثم قال الزمخشري : ولقد عاينت هذا في مدة قريبة ، كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا فيها ، ويؤذيني فيه ، فمات ذلك العظيم ، وملّكني الله ضيعته ، فنظرت يوما إلى أبناء خالي يترددون فيها ، ويدخلون في دورها ويخرجون ، ويأمرون وينهون ؛ فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثتهم به ، وسجدنا شكرا لله .
{ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الارض } أي أرضهم وديارهم ، فاللام للعهد وعند بعض عوض عن المضاف إليه { مّن بَعْدِهِمْ } أي من بعد اهلاكهم ، وأقسم سبحانه وتعالى في مقابلة قسمهم ، والظاهر أن ما أقسم عليه جل وعلا عقوبة لهم على قولهم : { لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَا } [ إبراهيم : 13 ] وفي ذلك دلالة على مزيد سناعة ما أتوا به حيث أنهم لما أرادوا إخراج المخاطبين من ديارهم جعل عقوبته إخراجهم من دار الدنيا وتوريث أولئك أرضهم وديارهم ، وفي الحديث «من آذى جاره أورثه الله تعالى داره » وقرأ أبو حيوة { ليهلكن الضالمين } [ إبراهيم : 13 ] { وليسكننكم الأرض } بياء الغيبة اعتباراً لأوحى كقولك : أقسم زيد ليخرجن { ذلك } اشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المخاطبين ديارهم ، وبذلك الاعتبار وحد اسم الإشارة مع أن المشار إليه إثنان فلا حاجة إلى جعله من قبيل { عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } [ البقرة : 68 ] وان صح أي ذلك الأمر محقق ثابت .
{ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } أي موقفي الذي يقف به العباد بين يدي للحساب يوم القيامة ، وإلى هذا ذهب الزجاج فالمقام اسم مكان وإضافته إلى ضميره تعالى لكونه بين يديه سبحانه ، وقال الفراء : هو مصدر ميمي أضيف إلى الفاعل أي خاف قيامي عليه بالحفظ لأعماله ومراقبتي إياه ، وقيل : المراد إقامتي على العدل والصواب وعدم الميل عن ذلك .
وقيل : لفظ مقام مقحم لأن الخوف من الله تعالى أي لمن خافني { وَخَافَ وَعِيدِ } أي وعيدي بالعذاب فياء المتكلم محذوف للاكتفاء بالكسرة عنها في غير الوقف . والوعيد على ظاهره ومتعلقه محذوف ، وجوز أن يكون مصدراً من الوعد على وزن فعيل وهو بمعنى اسم المفعول أي عذابي الموعود للكفار : وفيه استعارة الوعد للإيعاد ، والمراد بمن خاف على ما أشير إليه في الكشاف المتقون ، ووقوع ذلك إلى آخره بعد { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الارض مِن بَعْدِهِمْ } موقع { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } في قصة موسى عليه السلام حيث قال لقومه : { استعينوا بالله واصبروا إِنَّ الارض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } [ الأعراف : 128 ]
{ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ } - أيها الرسل { الأرض } أى أرضهم { مِن بَعْدِهِمْ } أى من بعد إهلاكهم واستئصال شأفتهم .
قال الآلوسى ما ملخصه : " وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإِيحاء فلا مفعول له " .
وقوله { لنهكن } على إضمار القول ، أى : قائلاً لنلهكن ، ويحتمل أن يكون جارياً مجرى القول لكونه ضرباً منه ، وقوله { لنهلكن } مفعوله . . .
وخص - سبحانه - الظالمين من الذين كفروا ، لأنه من الجائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة أناس معينون ، فالتوعد لإِهلاك من خلص للظلم " .
وأكد - سبحانه - إهلاك الظالمين وإسكان الرسل أرضهم ، بلا القسم ونون التوكيد . . زيادة فى إدخال السرور على نفوس الرسل ، وفى تثبيت قلوبهم على الحق ، ورداً على أولئك الظالمين الذين أقسموا بأن يخرجوا الرسل من ديارهم ، أو يعودوا إلى ملتهم .
قال صاحب الكشاف : " والمراد بالأرض فى قوله { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ } أرض الظالمين وديارهم ، ونحوه : { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ } وعن النبى - صلى الله عليه وسلم - " من آذى جاره ورثه الله داره " .
ثم قال : ولقد عاينت هذا فى مدة قريبة ، كان لى خال يظلمه عظيم القرية التى أنا منها ويؤذينى فيه ، فمات ذلك العظيم وملكنى الله ضيعته ، فنظرت يوماً إلى أبناء خالى يترددون فيها ، ويدخلون فى دورها ويخرجون ويأمرون وينهون ، فذكرت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وحدثتهم به ، وسجدنا شكراً لله " .
واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - { ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } يعود إلى ما قضى الله به من إهلاك الظالمين ، وتمكين الرسل وأتباعهم من أرضهم .
أى : ذلك الذى قضيت به كائن لمن خاف قيامى عليه ، ومراقبتى له ، ومكان وقوفه بين يدى للحساب ، وخاف وعيدى بالعذاب لمن عصانى .
قال الجمل : " ومقامى فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقحم - وهو بعيد إذ الأسماء لا تقحم ، أى ذلك لمن خافنى - الثانى : أنه مصدر مضاف للفاعل .
قال الفراء : مقامى مصدر مضاف لفاعله ، أى قيامى عليه بالحفظ . الثالث : أنه اسم مكان ، قال الزجاج : مكان وقوفه بين يدى الحساب " .
( ولنسكننكم الأرض من بعدهم ) هذا وعد من الله لعباده المؤمنين الثابتين على الطريق ، الصابرين على الحق- بنصرهم على الظالمين المجرمين وإسكانهم آمنين مطمئنين ظافرين أرض الظالمين وديارهم عقب هلكتهم وزوال شوكتهم . ذلك وعد من الله غير مكذوب ولا مريب . ووعد الله يقين وحق بأنه ناصر المؤمنين المخلصين في الدنيا والآخرة .
قوله : ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) الإشارة إلى إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم وديارهم . وذلك كله حق ( لمن خاف مقامي ) أي خاف جلالي وسلطاني يوم القيامة ( وخاف وعيد ) أي خاف عذابي الذي يُسامُهُ الظالمون المجرمون جزاء تكذيبهم وظلمهم وعدوانهم على المؤمنين بالإيذاء والصد عن دين الله . {[2381]}