{ أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } وتتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال أو بالفاحشة حتى انقطعت الطرق ، أو تقطعون سبيل النسل بالإعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث { وتأتون في ناديكم } في مجالسكم الغاصة بأهلها ولا يقال النادي إلا لما فيه أهله . { المنكر } كالجماع والضراط وحل الإزار وغيرها من القبائح عدم مبالاة بها . وقيل الخذف ورمي البنادق . { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله أن كنت من الصادقين } في استقباح ذلك أو في دعوى النبوة المفهومة من التوبيخ .
السبيل : الطريق " وكلتاهما تذكر وتؤنث " وكانوا يتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ الأموال .
المنكر : الأمر القبيح الذي ينكره الدين والخلق ، كاللواط وأنواع الفحش .
29-{ أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين }
أي : إنكم تجامعون الرجال جماع شهوة ، فبدلا من أن يجامع الرجل زوجته في قبلها ، كما هو شأن المتعة بين الذكر والأنثى ، فإنه يجامع رجلا مثله في دبره ، فهي فاحشة وشذوذ ، وانتكاس بالفطرة ، وخروج على ما رسمه الله ، وفساد في التركيب النفسي والتركيب العضوي سواء بسواء .
تقفون في الطرقات تقتلون المارة ، وتأخذون أموالهم ، أو تفعلون بهم الفاحشة كرها ، وهي خطوة أبعد في الفاحشة من الأولى .
{ وتأتون في ناديكم المنكر . . . }
يفعلون اللواط في مكان اجتماعهم العام ، لا يخجل بعضهم من بعض ، حيث يفعلون الأفعال المشينة ، ومنها حلّ الإزار ، والسباب والفحش في المزاح ، والسلوك الماجن المستهتر بكل القيم .
ونلحظ أن لوطا عرض عليهم أفعالهم ، مترقيا معهم من سيء إلى أسوأ ، ووضع فسادهم أمام أعينهم ، فقالوا للوط :
{ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } .
كان الأولى بهم أن يهتدوا ويخجلوا ، ويكفّوا عن اللواط والعدوان على الآخرين ، وممارسة الشذوذ أمام أعين الآخرين .
لكنهم لم يرعووا ، ورفضوا النصح ، فهددهم لوط بعذاب الله وانتقامه ، فقالوا مستهزئين به ، مستهينين بأمر العذاب ، مكذبين له في هذا الوعيد :
{ ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } أي : في وعيدك .
والقصة هنا مختصرة ، وظاهر أن لوطا أمرهم ونهاهم بالحسنى ، وأنهم أصروا على ما هم فيه ، فخوفهم عذاب الله . اه .
وقد استهانوا بالعذاب ، وكذبوا رسولهم ، وتحدّوه أن يأتيهم بهذا العذاب إن كان صادقا .
قوله تعالى : { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين ، فترك الناس الممر بهم . وقيل : تقطعون سبيل النسل بإيثار الرجال على النساء ، { وتأتون في ناديكم المنكر } النادي ، والندى ، والمنتدى : مجلس القوم ومتحدثهم .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنبأنا أبو العباس بن سهل بن محمد المروزي ، أنبأنا جدي لأمي أبو الحسن المحمودي ، أنبأنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، أنبأنا بشر بن معاذ حدثهم : أنبأنا يزيد بن زريع ، أنبأنا حاتم بن أبي صغيرة ، عن سماك بن حرب ، عن أبي صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب عن أم هانئ قالت : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : { وتأتون في ناديكم المنكر } قلت : ما المنكر الذي كانوا يأتون ؟ قال : كانوا يحذفون أهل الطرق ويسخرون بهم " ويروى أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم ، وعند كل رجل منهم قصعة فيه حصا ، فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به . وقيل : إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم ، ولهم قاض بذلك . وقال القاسم بن محمد : كانوا يتضارطون في مجالسهم . وقال مجاهد : كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم . وعن عبد الله بن سلام قال : كان يبزق بعضهم على بعض . وعن مكحول قال : كان من أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء ، وحل الإزار ، والصفير ، والحذف ، واللوطية ، { فما كان جواب قومه } لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح ، { إلا أن قالوا } له استهزاءً : { ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } أن العذاب نازل بنا ، فعند ذلك .
وقوله - سبحانه - : { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر . . } بيان لتلك الفاحشة التى كانوا يقترفونها ، والاستفهام للتأنيب والتقريع .
والسبيل : الطريق . والنادى : اسم جنس للمكان الذى يجتمع فيه الناس لأمر من الأمور ، أى : أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ، وتقطعون الطريق على المارة ، بأن تنتهبوا أموالهم ، أو بأن تكرهوهم إكراها على ارتكاب الفاحش معهم ، أو بأن تعتدوا عليهم بأى صورة من الصور ، وفضلا عن كل ذلك فإنكم ترتكبون المنكرات فى مجالسكم الخاصة ، وفى نواديكم التى تتلاقون فيها .
فأنت ترى أن نبيهم - عليه السلام - قد وصفهم بأوصاف ، كل صفة أقبح من سابقتهان والباعث لهم على ارتكاب تلك المنكرات ، هو انتكاس فطرتهم ، وفساد نفوسهم ، وشذوذ شهواتهم .
فماذا كان جوابهم على نبيهم - عليه السلام - ؟ لقد كان جوابهم فى غاية التبجح والسفاهة ، وقد حكاه القرآن فى قوله : { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } .
أى : فما كان جواب قوم لوط عليه ، إلا أن قالوا له على سبيل الاستخفاف بوعظه وزجره : ائتنا يا لوط بعذاب الله الذى تتوعدنا به ، إن كنت صادقا فى دعواك انك رسول ، وفى دعواك أن عذابا سينزل علينا ، بسبب أفعالنا هذه التى ألفناها وأحببناها .
وهكذا نرى أن هؤلاء المجرمين ، قد قابلوا نصح نبيهم تارة بالاستخاف والاستهزاء كما هنا ، وتارة بالتهديد والوعيد ، كما فى قوله - تعالى - : { أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }
{ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ } أي إنكم تأتون الذكران ، وهذه فاحشة منكرة مستقذرة ما سبقكم بهذه الفعلة النكراء أحد من قبلكم من العالمين . وقيل : ما نزا ذكر على ذكر حتى كان كقوم لوط .
قوله : { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ } قال لوط لقومه مستقذرا مقبحا : أئنكم لتأتون الذكران في أدبارهم { وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ } كانوا قطاع طريق . وقيل : كانوا يقطعون المسافرين عليهم بفعلهم الخبائث ؛ فقد كانوا يفعلون هذا بمن مرّ عليهم من المسافرين أو بمن ورد بلادهم من الغرباء . ولقد أسرفوا في هذه الفعلة البشعة حتى إنهم استغنوا عن النساء بالرجال .
قوله : { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَر } النادي معناه المجلس . واختلفوا في المراد بالمنكر الذي كانوا يأتونه في مجالسهم . فقد قيل : كانوا يتضارطون في مجالسهم . فالمراد بالمنكر هنا الضراط . وهذا يكشف عن وقاحتهم وإسفافهم وانحطاط نفوسهم . وقيل : كانوا يحذفون من يمرّ بهم بالحصى ويسخرون منهم ، وذلك إتيانهم المنكر في ناديهم .
قوله : { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } أي لم يكن جواب هؤلاء المتفحشين الشذاذ{[3557]} لنبيهم لوط ؛ إذ نهاهم وحذرهم سوء فحشهم وقذرهم : ائتنا بعذاب الله الذي تعدنا إن كنت تصدق فيما تقول وتنجز ما تعد . قالوا ذلك على سبيل الإنكار والاستخسار والتكذيب .