{ وما أبرّئ نفسي } أي لا أنزهها تنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله ، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق . وعن ابن عباس أنه لما قال : { ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال له جبريل ولا حين هممت فقال : ذلك . { إن النفس لأمارة بالسوء } من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها ، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات . { إلا ما رحم ربي } إلا وقت رحمة ربي ، أو إلا ما رحمه الله من النفوس فعصمه من ذلك . وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة . وقيل الآية حكاية قول راعيل والمستثنى نفس يوسف وأضرابه . وعن ابن كثير ونافع " بالسّو " على قلب الهمزة واوا ثم الإدغام . { إن ربي غفور رحيم } يغفر همّ النفس ويرحم من يشاء بالعصمة أو يغفر للمستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه مما ارتكبه .
{ * وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم53 } .
53 { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم } .
هذه الآية يحتمل أنها من كلام امرأة العزيز بعد أن اعترفت بأنها راودت يوسف عن نفسه ؛ واعترفت بأنه من الصادقين .
{ قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين * ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } . ( يوسف : 52 ، 51 ) .
ثم قالت امرأة العزيز : { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم } .
أي : أنني لست ملاكا ، بل أنا بشر فيه الضعف ، وفيه وسوسة النفس والهوى ، والنفس أمارة بالسوء ، داعية إلى الهدى ، إلا من عصمه الله بالتقوى والإيمان ، مثل : يوسف ، وإني أتوب إلى الله وأرغب في فضله ورحمته ومغفرته ؛ إن ربي غفور رحيم ؛ لمن تاب وأناب ، وهذه الآية يحتمل أن تكون من كلام يوسف الصديق ، والمعنى : لا أزكي نفسي ولا أنزهها ، فإن النفس البشرية ميّالة إلى الشهوات ، إلا من رحمه الله بالعصمة ، إن ربي واسع المغفرة ، عظيم الرحمة ؛ قال ذلك يوسف ؛ تواضعا ، وهضما لنفسه .
{ لأمارة بالسوء } : أي كثيرة الأمر والسوء هو ما يُسيء إلى النفس البشرية مثل الذنوب .
{ إلا ما رحم ربي } : أي إلا من رحمه الله فإِن نفسه لا تأمر بالسوء لطيبها وطهارتها .
ما زال السياق في الحديث على يوسف عليه السلام فقوله تعالى : { وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم } هذا من قول يوسف عليه السلام ، إذ قال لما طلب إلى الملك أن يحقق في قضية النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز وتم التحقيق بالإِعلان عن براءة يوسف مما اتهم به قال ذلك ، أي فعلت ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين . وهضماً لنفسه من جهة ومن جهة أخرى فقد همَّ بضرب زليخا كما تقدم ، قال : { وما أبرّىء نفسي } وعلل لذلك فقال { إن النفس } أي البشرية { لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي } إلا نفساً رحمها ربي بتوفيقها إلى تزكيتها وتطهيرها بالإِيمان وصالح الأعمال فإنها تصبح نفساً مطمئنة تأمر بالخير وتنهى عن الشر ، وقوله : { إن ربي غفور رحيم } ذكر هذه الجملة تعليلاً لقوله : { وما أبرىء نفسي } فذكر وإن حصل منيّ هم بضرب وهو سوء فإني تبت إلى الله ، والله غفور أي يعفو ويصفح فلا يؤاخذ من تاب إليه ويرحمه فإنه رحيم بالمؤمنين من عباده . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 53 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.